مدخل التزكية الشطر الأخير من
سورة يوسف
الآيات
: من 89 إلى 111
الاجتماع
بعد الفرقة/ الصفح والعفو/ تحقق الرؤيا: القدرة والوحدانية
قال الله تعالى :
قَالَ هَلْ
عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89)
قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ
اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا
وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي
هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ
أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ
رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي
ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى
وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ
اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ
رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ
آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ
(99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا
أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ
الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ
رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ
قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ
فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ
الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ
وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
(103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ
لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ
أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَنْ
تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ
بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى
اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا
أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا
نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ
الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا
اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا
فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
(110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ
حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ
شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111).
شرح المفردات
{قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ
مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} أي هل تذكرون ما
فعلتم بيوسف وأخيه حال شبابكم وطيشكم{ قالوا أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} أي قال
إخوته متعجبين مستغربين: أأنت يوسف حقاً؟ {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وهذا أَخِي}
أي قال: نعم أنا يوسف وهذا أخي الشقيق {قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَآ} أي منَّ
علينا بالخلاص من البلاء، والاجتماع بعد الفرقة، والعزة بعد الذلة {إِنَّهُ مَن
يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} أي لا يبطل أجرهم
ولا يضيع إحسانهم بل يجزيهم عليه {قَالُواْ تالله لَقَدْ آثَرَكَ الله عَلَيْنَا}
اعترافٌ بالخطيئة وإقرار بالذنب أي والله لقد فضَّلك الله علينا بالتقوى والصبر، والعلم
والحلم {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} أي وحالُنا وشأننا أننا كنا مذنبين بصنيعنا
الذي صنعنا بك، ولذلك أعزَّك الله وأذلنا، وأكرمك وأهاننا {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ
عَلَيْكُمُ اليوم} أي قال لهم يوسف: لا عتب عليكم اليوم ولا عقوبة بل أصح وأعفو
{يَغْفِرُ الله لَكُمْ} دعاءٌ لهم بالمغفرة وهذا زيادة تكريم منه لما
فرط منهم {وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين} أي هو جل وعلا المتفضل على التائب بالمغفرة
والرحمة، أرحم بعباده من كل أحد {اذهبوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ
أَبِي} خذوه وارموه عليه في وجهه {يَأْتِ بَصِيراً} أي يرجع إليه بصره {وَأْتُونِي
بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} أي وجيئوني بجميع الأهل والذرية من أولاد يعقوب. {وَلَمَّا
فَصَلَتِ العير} أي خرجت منطلقة من مصر إلى الشام {قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ
رِيحَ يُوسُفَ} أي قال يعقوب لمن حضر من قرابته إني لأشمّ رائحة يوسف {لَوْلاَ
أَن تُفَنِّدُونِ} أي تسفهوني وتنسبوني إلى الخَرَف وهو ذهاب العقل {لَوْلاَ}
محذوف تقديره لأخبرتكم أنه حيٌّ {قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم}
أي قال حفدته ومن عنده: والله إنك لفي خطأ وذهاب عن طريق الصواب قديم، بإفراطك في محبة
يوسف {فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير} أي فلما جاء المبشر بالخبر السارّ قال {أَلْقَاهُ
على وَجْهِهِ} أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب {فارتد بَصِيراً} أي
عاد بصيراً لما حدث له من السرور والانتعاش {قَالُواْ ياأبانا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَآ}
طلب أبناؤه أن يستغفر لهم لما فرط منهم ثم اعترفوا بخطئهم بقولهم {إِنَّا كُنَّا
خَاطِئِينَ} أي مخطئين فيما ارتكبنا مع يوسف {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ
ربي} وعدهم بالاستغفار قال المفسرون: أخَّر ذلك إلى السَّحَر ليكون أقرب إلى الإِجابة
{إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم} أي الساتر للذنوب الرحيم بالعباد {فَلَمَّا
دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} أي فلما دخل يعقوب وأبناؤه وأهلوهم
على يوسف ضمَّ إليه أبويه واعتنقهما {وَقَالَ ادخلوا مِصْرَ إِن شَآءَ الله آمِنِينَ}
أي ادخلوا بلدة مصر آمنين من كل مكروه {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش} أي
أجلسهما على سرير الملك {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} أي سجد له أبوه وأمه وإخوته
حين دخولهم عليه قال المفسرون: كان السجود عندهم تحية وكرامة لا عبادة {وَقَالَ
ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} أي هذا تفسير الرؤيا التي رأيتها في
منامي وأنا صغير {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً} أي صدقاً حيث وقعت كما رأيتها
في النوم {وَقَدْ أَحْسَنَ بي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن} أي أنعم عليَّ بإخراجي
من السجن {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ البدو} أي جاء بكم من البادية لأنهم كانوا أهل
إبل وغنم ببادية فلسطين {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي}
أي أفسد ما بيني وبين إخوتي بالإِغواء {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ}
أي لطيف التدبير يحقّق مشيئتَه بلطفٍ ودقةٍ خفية لا يحسها الناس ولا يشعرون بها {إِنَّهُ
هُوَ العليم الحكيم} أي العليم بخلقه الحكيم في صنعه {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي
مِنَ الملك} أي أعطيتني العزَّ والجاه والسلطان، {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ
الأحاديث} أي علمتني تفسير الرؤيا، وذلك من نعمة العلم {فَاطِرَ السماوات}
أي يا مبدع السماوات والأرض وخالقَهما على غير مثال سابق {والأرض أَنتَ وَلِيِّي
فِي الدنيا والآخرة} أي أنت يا رب متولي أموري وشئوني في الدارين {تَوَفَّنِي
مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين} أي اقبضني إليك مسلماً، واجعل لحاقي بالصالحين،
ابتهل إلى ربه أن يحفظ عليه إسلامه حتى يموت عليه {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب
نُوحِيهِ إِلَيْكَ} أي ذلك الذي أخبرناك عنه يا محمد من أمر يوسف وقصته، من الأخبار
المغيَّبة التي لم تكن تعلمها قبل الوحي، {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أجمعوا أَمْرَهُمْ
وَهُمْ يَمْكُرُونَ} أي وما كنت حاضراً مع إخوة يوسف حين تآمروا على أخيهم وأجمعوا
أمرهم على إلقائه في الجب وهم يحتالون ويمكرون به وبأبيه ليرسله معهم، فإنك يا محمد
لم تشاهدهم حتى تقف على حقيقة القصة وإنما جاءتك بوحيٍ من العليم الخبير {وَمَآ
أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} َ أي ليس أكثر الخلق ولو حرصتَ
على إيمانهم وبالغتَ في إرشادهم بمصدقين لك لتصميمهم على الكفر {وَمَا تَسْأَلُهُمْ
عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي وما تطلب منهم على هذا النصح، والدعاء إلى الخير والرشد
أجرة حتى يثقل عليهم {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} أي ما هذا القرآن
إلا عظة وتذكير للعالمين، {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض} أي كم
من الآيات والعلامات الدالة على وجود الله جل وعلا ووحدانيته، الكائنة في السماوات
والأرض كالشمس والقمر والنجوم، والجبال والبحار والأشجار، وسائر ما فيهما من العجائب
{يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} أي يشاهدونها ليلَ نهار، ويمرون عليها بالعشي والإبكار
{وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} أي لا يفكرون فيها ولا يعتبرون {وَمَا يُؤْمِنُ
أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} أي لا يؤمن أكثر هؤلاء المكذبين
من قومك إلا إذا أشركوا مع الله غيره{أفأمنوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ
عَذَابِ الله} أفأمن هؤلاء المكذبون عقوبةً من عذاب الله تغشاهم وتشملهم؟ {أَوْ
تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي أو تأتيهم القيامة بأهوالها
فجأة من حيث لا يشعرون ولا يتوقعون {قُلْ هذه سبيلي} أي قل يا محمد هذه طريقي
ومنهاجي واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة {أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ
أَنَاْ وَمَنِ اتبعني} أي أدعو على عبادة الله وطاعته، على بيانٍ وحجة واضحة أنا
ومن آمن بي {وَسُبْحَانَ الله وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين} أي وأنزهه سبحانه عن الشركاء
والأنداد، فأنا مؤمن موحِّد ولست من المشركين {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ
رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ} إي وما آرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً من البشر
لا ملائكة من السماء {مِّنْ أَهْلِ القرى} أي من أهل المُدن والأمصار لا من
أهل البوادي والقسوة {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ} أي أفلم يسر هؤلاء المكذبون في الأرض فينظروا
نظر تفكر وتدبر ما حلَّ بالأمم السابقين ومصارع المكذبين فيعتبرون بذلك {وَلَدَارُ
الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا} أي الدار الآخرة خير للمؤمنين المتقين من هذه
الدار التي ليس فيها قرار {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفلا تعقلون فتؤمنون!! {حتى
إِذَا استيأس الرسل} أي يئس الرسل من إيمان قومهم {وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ}
أي أيقن الرسل أن قومهم كذّبوهم {جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} أي أتاهم النصر عند اشتداد
الكرب {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القوم المجرمين} أي ولا يُردُّ عذابنا
وبطشنا عن المجرمين إذا نزل بهم {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي
الألباب} أي لقد كان في قصة يوسف وإِخوته عظة وتذكرة لأولي العقول النيِّرة {مَا
كَانَ حَدِيثاً يفترى} أي ما كان هذا القرآن أخباراً تُروى أو أحاديث تختلق {ولكن
تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي ولكن كان هذا القرآن مصدقاً لما سبقه من الكتب
السماوية المنزّلة من قبل {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} أي تبيان كل ما يُحتاج
إليه من أحكام الحلال والحرام، والشرائع والأحكام {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ} أي وهداية من الضلالة ورحمة من العذاب لقوم يصدّقون به ويعملون بأوامره
ونواهيه.
المضمون العام
ـ تحدث الآيات عن تعرف الإخوة أخيهم يوسف وعفوه عنهم، و
طلبه عليه السّلام من إخوته بأن يذهبوا بقميصه ليلقوا به على وجه أبيه، وأن يأتوه بأهله
أجمعين،ومجيء أسرة يعقوب بأسرهم إلى مصر، ودخولهم على يوسف وهو في
عز السلطان وعظمة الملك، وتحقيق الرؤيا بسجود إخوته الأحد عشر له مع أبيه وأمه، واجتماع
الشمل بعد الفرقة، وحلول الأنس بعد الكدر، ثم تختم السورة الكريمة بتوجيه الأنظار إلى
عجائب الكون الدالة على القدرة والوحدانية، وما في قصص القرآن من العبر والعظات.
المضامين الأساسية
الآيات 88 الى 93
ـ تعرّف أولاد يعقوب على يوسف في المرة الثالثة واعترافهم
بخطئهم وعفوه عنهم.و طلبه عليه السّلام من إخوته بأن يذهبوا بقميصه ليلقوا به على وجه
أبيه، وأن يأتوه بأهله أجمعين.
الآيات 94 الى 98
ـ إظهار الله المعجزة على يد يعقوب عليه السّلام بإحساسه
برائحة يوسف، وتأييده تعالى ذلك الشعور ببشارة البشير،وارتداد بصره عليه السلام إليه
كاملا، وتذلل واستعطاف الأبناء لأبيهم أن يغفر لهم ما فرط منهم من ذنوب وأخطاء، ورد
أبيهم عليهم أنه سيتضرع إلى ربه لكي يغفر لهم ذنوبهم.
الآيات
99 إلى 100
ـ رحيل آل يعقوب
من بلاد كنعان إلى مصر، وخروج يوسف عليه السّلام للقائهم، وضمه لأبيه وأمه وأجلسهم
على العرش تكريما لهما، وتحقق رؤيا يوسف عليه السّلام بسجود إخوته الأحد عشر مع أبيه
وأمه ، فتمّ الاجتماع بعد الفرقة، والأنس بعد الكدر.
الآية 101
ـ حمد يوسف عليه
السّلام ربّه على لطفه ونعمه، باجتماعه بأبويه وإخوته، وما منّ الله به عليه من النّبوة
والملك، ودعائه ربّه عزّ وجلّ، كما أتمّ نعمته عليه في الدّنيا أن يستمر بها عليه في
الآخرة، وأن يتوفّاه مسلما، وأن يلحقه بالصّالحين.
الآيات 102 إلى 108
ـ ذكر الله تعالى قصة يوسف عليه السّلام، ليثبت بها نبوّة
النّبي محمد ، عن طريق أنها إخبار بالغيب الذي لا يعلمه إلا
الله تعالى، ولم يشاهده النّبي
ولا قومه، مما يدلّ على كون القرآن
كلام الله تعالى، وكون نبوّة الرّسول
حقّا
وصدقا. وتنديده تعالى بموقف المشركين من الإيمان بالله تعالى المعرضين عن الآيات الدّالة
على وجود الصانع ووحدانيته،وحسم الحقّ تعالى الموقف، فأبان أن سبيل دعوة النّبي
هو الدّعوة إلى التّوحيد، ورفض الشّرك
بمختلف أشكاله وأنواعه.
الآيات 109 إلى 111
ـ بيان الله تعالى أن أنبياءه ورسله ما كانوا إلا رجالا، وإنذاره سبحانه كفار قريش وأمثالهم بالعقاب
والعذاب إن لم يؤمنوا، فإن سنّة الله في عباده واحدة أنهم إن لم يؤمنوا ،حلّ بهم العذاب،
وذكر تعالى أن قصة يوسف عليه السّلام مع أبيه وإخوته عبرة لذوي العقول والأفكار.
من الهدايات
القرآنية / والعبر / والأحكام / والقيم المستفادة من المقطع القرآني.
ـ الدروس
والعبر صفحة: 134 من الكتاب المدرسي
ـ تقرير
مبدأ أن المعاصي لن تكون إلا نتيجة للجهل بالله تعالى وجلاله وشرائعه ووعده ووعيده.
ـ إن
من اتقى الله بالتزام ما أمر واجتناب ما نهى، وصبر على المصائب وعن المعاصي، فإن الله
يدخر له ثواب إحسانه العمل، ولا يضيع منه شيئا.
ـ تذكر
حال العبد قبل النعمة سبيل لإدامة شكر الله عز وجل.
ـ الاعتراف
بالذنب أو الخطأ سبيل الحظوة بالعفو والصفح.
ـ فضل
الصفح والعفو وترك عتاب القريب إذا أساء.
ـ قد
يتأخر تأويل الرؤيا عشرات السنين إذ تأخرت رؤية يوسف أربعين سنة.
ـ آية
عظيمة هي حمل الريح ريح يوسف على مسافات بعيدة.
ـ آية
أخرى هي ارتداد بصر يعقوب بعد العمى بمجرد أن ألقي القميص على وجهه.
ـ يمتاز
الأنبياء عن غيرهم بأن الله تعالى يظهر على أيديهم معجزات خارقة للعادة، خارجة عن المألوف.
ـ مشروعية
الخروج خارج المدينة أو القرية لاستقبال أهل الكمال والفضل كالحجاج مثلاً.
ـ إن
العاطفة بين الولد وأبويه طبيعية فطرية.
ـ
السجود لا يكون إلا لله عزوجل.
ـ تجليات
الألطاف الإلهية والرحمات الربانية في هذه القصة في مظاهر عجيبة.
ـ مشروعة
دعاء الله تعالى والتوسل إليه بأسمائه وصفاته.
ـ مشروعيه
العزوف عن الدنيا والرغبة عنها عند حصولها والتمكن منها.
ـ فضل
الشوق إلى الله والحنين إلى رفقة الصالحين في الملكوت الأعلى.
ـ مشروعية سؤال الموت إن لم يكن لضر أو ملل من العبادة،
أو رغبة في الراحة ، ولكن شوقاً إلى الله تعالى والالتحاق بالصالحين ، عزوفاً عن هذه
الدار وشوقاً إلى الأخرى دار السلام.
ـ تقرير النبوة المحمدية بأصدق برهان وأعظم حجة.
ـ بيان حكم الله في الناس وهو أن أكثرهم لا يؤمنون فلا
يحزن الداعي ولا يكرب.
ـ مهمة كل نبي تبليغ الوحي المنزل عليه بإخلاص وقصد الثواب
عند الله عز وجل، دون تكليف النّاس بشيء من الأجر أو المقابل.
ـ دعوة الله ينبغي أن تقدم إلى الناس مجّاناً، وأجر الداعي
على الله تعالى الذي يدعو إليه.
ـ القرآن والوحي عظة وتذكرة للعالمين قاطبة، لا للعرب
خاصة، إنه تذكرة لهم في دلائل التّوحيد والعدل والنّبوة، والمعاد والقصص، والتّكاليف
والعبادات، ففيه منافع عظيمة.
ـ ذم الغفلة وعدم التفكر في الآيات الكونية.
ـ بيان حقيقة ثابتة وهي أن غير أهل التوحيد وإن آمنوا
بالله رباً خالقاً رازقاً مدبراً أكثرهم يشركون به غيره في بعض صفاته وعباداته.
ـ التحذير من العقوبات المترتبة على الشرك والمعاصي.
ـ تقرير عقيدة
البعث الآخر.
ـ تعين الدعوة إلى الله تعالى على كل مؤمن تابع للرسول
ـ تعين العلم اليقيني للداعي إلى الله إذ هو البصيرة المذكورة
في الآية.
ـ الدعوة إلى الله على بصيرة فارق بين الأنبياء والرسل
وأتباعهم وبين غيرهم.
ـ وجوب توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه
وصفاته.
ـ بيان ثمرات التوحيد والتقوى في الدنيا والآخرة.
ـ بيان سنة الله تعالى في تأخر النصر على رسله وعباده
المؤمنين زيادة في الإعداد والتمحيص ثم يأتي نصر الله فيعز أولياء الله ويذل أعداءه.
ـ ما أكثر الآيات والدّلائل الدّالة على وجود الله تعالى
ووحدانيته، وقدرته وحكمته وعلمه ورحمته، في السّموات والأرضين.
ـ الأنبياء دائما من الرّجال، ولم يكن فيهم امرأة ولا
جنّي ولا ملك.
ـ التنديد بالإجرام وهو الإفساد للعقائد والأخلاق والشرائع
والأحكام.
ـ بيان فضل القرآن وما فيه من الهدى والرحمة لمن طلب ذلك
منه.
ـ أحرص على تلاوة القرآن
والاهتداء بهديه، فهو كتاب لا تنتهي عجائبه.
ـ المؤمنون باعتبار أنهم أحياء هم الذين ينتفعون بهداية
القرآن ورحمته.
ـ من القيم المستخلصة:
اليقين في الله تعالى – الاعتراف بالخطأ والذنب – العفو – تكريم الوالدين
وتقديرهما – الاعتراف بفضل الله تعالى – شكر الله – التسامح بين الأخوة – الدعاء
وفضله- الإحسان وفضله –الصبر – التدبر – الخوف من الله – اللطف – العلم – الدعوة إلى
الله – حمد الله – التزام الحق – الاستغفار...
