مدخل التزكية الشطر الخامس من سورة يوسف
الآيات : من 69 إلى 88
موقف
يوسف عليه السلام من إخوته وطريقة تعامله معهم ومحنة
يعقوب
عليه السلام
قال الله تعالى :
وَلَمَّا
دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا
تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ
جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا
الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا
تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ
بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا
جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا
جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي
رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ
بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ
كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي
عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ
مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَا أَيُّهَا
الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا
نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا
مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79) فَلَمَّا
اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا
أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا
فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي
أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى
أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا
بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ
الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا
لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ
جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ
الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ
وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ
تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ
الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا
فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ
إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا
الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ
عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88).
شرح المفردات
{وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ} أي وحين دخل أولاد يعقوب على يوسف
{آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ} أي ضمَّ إليه أخاه الشقيق بنيامين {قَالَ إني أَنَاْ
أَخُوكَ} أي أنا أخوك يوسف، أخبره بذلك واستكتمه {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ} أي لا تحزنْ بما فعلوا بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا
وأمره أن يكتم الخبر {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} أي ولمّا قضى حاجتهم
وحمَّل إبلهم بالطعام والميرة {جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ} أي أمر يوسف
بأن تُجعل السقاية - وهي صاعٌ يكال به- في متاع أخيه بنيامين {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ}
أي نادى منادٍ {أَيَّتُهَا العير} أي يا أصحاب الإبل ويا أيها الركب المسافرون
{إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} أي أنتم قوم سارقون{قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ
مَّاذَا تَفْقِدُونَ} أي التفتوا إليهم وسألوهم ماذا ضاع منكم وماذا فُقد؟{قَالُواْ
نَفْقِدُ صُوَاعَ الملك} أي ضاع منا مكيال الملِك {وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ
بَعِيرٍ} أي ولمن جاءنا بالمكيال وردَّه إلينا حِمْلُ بعيرٍ من الطعام كجائزة له
{وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} أي أنا كفيلٌ وضامنٌ بذلك {قَالُواْ تالله لَقَدْ
عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض} قسمٌ فيه معنى التعجب أي قالوا
متعجبين: والله لقد علمتم أيها القوم ما جئنا بقصد أن نفسد في أرضكم {وَمَا كُنَّا
سَارِقِينَ} أي ولسنا ممن يُوصف بالسرقة قطُّ {قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن
كُنتُمْ كَاذِبِينَ} أي ما عقوبة السارق في شريعتكم إن كنتم كاذبين في ادعاء البراءة
{قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أي جزاء السارق
الذي يوجد الصاع في متاعه أن يُسترقَّ ويصبح مملوكاً لمن سَرَق منه،وهذا القول منهم
هو الحكم في شريعة يعقوب {كذلك نَجْزِي الظالمين} أي كذلك نجازي من تعدَّى حدود
الله بالسرقة وأمثالها {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ}
أي بدأ يوسف بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه بنيامين {ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ
أَخِيهِ} أي استخرج الصواع من متاع أخيه بنيامين {كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ}
أي كذلك صنعنا ودبرنا ليوسف وألهمناه الحيلة ليستبقي أخاه عنده ودلّت الآية على أن
تلك الحيلة كانت بتعليم الله وإلهامه له، أنظر حكم من التفسير ص:108 {مَا
كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك} أي ما كان ليوسف أن يأخذ أخاه في دين
ملك مصر، لأن جزاء السارق عنده أن يُضرب ويُغرَّم ضعفَ ما سَرَق {إِلاَّ أَن يَشَآءَ
الله} أي إلا بمشيئته تعالى وإذنه {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} أي
نرفع بالعلم منازل من نشاء من عبادنا ما رفعنا يوسف {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ
عَلِيمٌ} أي فوق كل عالمٍ من هو أعلم منه حتى ينتهي إلى ذي العلم البالغ وهو ربُّ
العالمين {قالوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} أي إن سرق
فقد سرق أخوه الشقيق من قبله يعنون يوسف، تنصّلوا من السرقة ورموا بها يوسف وأخاه {فَأَسَرَّهَا
يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} أي أخفى تلك القولة في نفسه وكتمها
ولم يُظهرها لإِخوته تلطفاً معهم {قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} أي أنتم
شرٌ منزلةًً حيث سرقتم أخاكم من أبيكم ثم طفقتم تفترون على البريء، ولم يواجههم بهذا
الكلام وإنما قاله في نفسه {والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} أي أعلم بما تتقوّلوا
وتفترون {قَالُواْ ياأيها العزيز إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً} استرحامٌ
واستعطافٌ أي قالوا مستعطفين يا أيها السيد المبجَّل إنَّ أباه شيخ كبير في السِّن
لا يكاد يستطيع فراقه {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} أي خذْ بدله واحداً منا
{إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} أي أتممْ إحسانك علينا فقد عودتنا الجميل والإحسان
{قَالَ مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} أي
نعوذ بالله من أن نأخذ أحداً بجرم غيره {إِنَّآ إِذاً لَّظَالِمُونَ} أي نكون
ظالمين إن فعلنا ذلك{فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً} أي ولما
يئسوا من إجابة طلبهم يأساً تاماً، وعرفوا أن لا جدوى من الرجاء، اعتزلوا جانباً عن
الناس يتناجون ويتشاورون {قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ
أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله} أي قال أكبرهم سناً أليس قد أعطيتم أباكم
عهداً وثيقاً برد أخيكم؟ {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} أي ومن
قبل هذا ألا تذكرون تفريطكم في يوسف؟ فكيف ترجعون إليه الآن؟ {فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض
حتى يَأْذَنَ لي أبي} أي فلن أفارق أرض مصر حتى يسمح لي أبي بالخروج منها {أَوْ
يَحْكُمَ الله لِي} أي يحكم لي بخلاص أخي {وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين} أي وهو
سبحانه أعدل الحاكمين لأنه لا يحكم إلا بالعدل والحق {ارجعوا إلى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ
يا أبانا إِنَّ ابنك سَرَقَ} أي ارجعوا إلى أبيكم فأخبروه بحقيقة ما جرى وقولوا
له إن ابنك بنيامين سَرَق {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} أي ولسنا
نشهد إلا بما تيقنا وعلمنا فقد رأينا الصاع في رَحْله {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ
حَافِظِينَ} أي ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق {وَسْئَلِ القرية التي
كُنَّا فِيهَا} أي واسأل أهل مصر عن حقيقة ما حدث {والعير التي أَقْبَلْنَا
فِيهَا} أي واسأل أيضاً القافلة التي جئنا معهم وهم قوم من كنعان كانوا بصحبتهم
في هذه السفرة {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} أي صادقون فيما أخبرناك من أمره {قَالَ
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} أي زيَّنتْ وسهَّلت لكم أنفسكم أمراً
ومكيدةً فنفذتموها، اتهمهم بالتآمر على «بنيامين» لما سبق منهم في أمر يوسف {فَصَبْرٌ
جَمِيلٌ} أي لا أجد سوى الصبر محتسباً أجري عند الله {عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي
بِهِمْ جَمِيعاً} أي عسى أن يجمع الله شملي بهم، ويقرّ عيني برؤيتهم جميعاً {إِنَّهُ
هُوَ العليم الحكيم} أي العالم بحالي الحكيم في تدبيره وتصريفه {وتولى عَنْهُمْ}
أي أعرض عن أولاده كراهة لما سمع منهم {وَقَالَ يا أسفى عَلَى يُوسُفَ} أي يا لهفي
ويا حسرتي وحزني على يوسف {وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن} أي فقد بصره من شدة
البكاء حزناً على ولديه {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي مملوء القلب كمداً وغيظاً ولكنه
يكتم ذلك في نفسه{قَالُواْ تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي لا تفتأ
ولا تزال تذكر يوسف وتتفجع عليه {حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين}
أي حتى تكون مريضاً مشرفاً على الهلاك "الحرض: الفساد في الجسم أو
العقل." أو تهلك أسىً وحسرة وتموت {قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي
إِلَى الله} أي قال لهم يعقوب: لستُ أشكو غميّ وحزني إليكم وإنما أشكو ذلك إلى
الله فهو الذي تنفع الشكوى إليه {وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ}
أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون أنتم {يابني اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ
وَأَخِيهِ} أي اذهبوا إلى الموضع الذي جئتم منه فالتمسوا يوسف وتعرّفوا على خبره
وخبر أخيه بحواسكم ـ التحسس يكون في الخير والتجسس يكون في الشرـ {وَلاَ
تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله} أي لا تقنطوا من رحمة الله وفرجه وتنفيسه {إِنَّهُ
لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون} أي فإنه لا يقنط من رحمته
تعالى إلا الجاحدون المنكرون لقدرته جلَّ وعلا {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ
ياأيها العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر} فخرجوا راجعين إلى مصر فلما دخلوا على
يوسف قالوا يا أيها العزيز أصابنا وأهلنا الشدة من الجدب والقحط {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ
مُّزْجَاةٍ} أي وجئنا ببضاعة رديئة ناقصة القيمة {فَأَوْفِ لَنَا الكيل} أي
أتمم لنا الكيل ولا تنقصْه لرداءة بضاعتنا {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} أي برد أخينا
إلينا أو بالمسامحة عن رداءة البضاعة {إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين} أي يثيب
المحسنين أحسن الجزاء.
المضمون العام
ـ بيان السورة الكريمة
في هذا منها عن اللقاء الثاني الذي تم بين يوسف وإخوته، بعد أن جاؤوا إليه في هذه المرة
ومعهم «بنيامين» شقيق يوسف، وكيف قام يوسف بالتعرف عليه، ثم كيف احتجزه عنده بحيلة
دبرها بإلهام من الله- تعالى- وكيف رد على إخوته الذين طلبوا منه أن يأخذ أحدهم مكان
«بنيامين» وماذا قال «يعقوب» - عليه السلام- بعد أن عاد إليه أبناؤه، وليس معهم «بنيامين». أو :
ـ إخبار الله تعالى عن مجيء إخوة يوسف عليه السلام للمرة الثانية إلى مصر، ومعهم
الأخ الشقيق ليوسف عليه السلام، وما كان من شأنه حين ظهر الصاع في رحله، فاحتجزه يوسف
عليه السلام عنده بحكم شريعة يعقوب، ثم ما كان من تمام المحنة على يعقوب عليه السلام
بفقد ولده حتى ذهب الحزن ببصر.
المضامين الأساسية
1.
استخلاص مضمون المقطع الأول:
ـ من
قوله تعالى: "ولما دخلوا على يوسف "إلى قوله سبحانه "وفوق
كل ذي علم عليم"
·
يشير مضمون الآيات الكريمات
إلى قدوم أبناء يعقوب مع أخيهم بنيامين إلى مصر ودخولهم على يوسف وما دبره هذا الأخير
بوحي من الله تعالى للإبقاء على أخيه الشقيق بنيامين.
2.
استخلاص مضمون المقطع الثاني:
ـ من قوله تعالى: "قالوا إن يسرق
فقد سرق أخ له من قبل" إلى قوله سبحانه "واسئل القرية التي كنا فيها
والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون".
·
بيان الآيات القرآنية تفاصيل
ما دبره يوسف عليه السلام لإخوته إبقاء لأخيه الشقيق معه وفلاحه في ذلك، ورجوع الإخوة
من أرض مصر بعد أن فضل واحد منهم المكوث بها رجاء تحصيله لأخيه من عزيزها وفاء بعهده
لأبيه.
3.
استخلاص مضمون المقطع الثالث:
ـ من قوله تعالى: "قال بل سولت لكم
أنفسكم أمرا" إلى قوله سبحانه "إن الله يجزي المتصدقين".
·
تستهل الآيات الكريمات بتحسر
يعقوب عليه السلام على فقد يوسف وأخيه من بعده،وذهاب بصره حزنا عليهما، وطلبه من بنيه
العودة إلى أرض مصر مرة أخرى لتقصي أخبار أخويهما، أملا في رجاء الله تعالى، ثم تختم
الآيات بمشهد دخول الإخوة مجددا على يوسف طلبا للمؤونة كما في المرتين السابقتين.
4 ـ
من الهدايات القرآنية / والعبر / والأحكام / والقيم المستفادة من المقطع
القرآني.
- الدروس والعبر من الكتاب المدرسي
صفحة: 107
·
قد يجمع الله شمل الأهل والأحبة
بعد عناء الفراق.
·
أهمية التحلي بصفة العفو والتسامح،
وإظهار الحب والود للناس، ونسيان الماضي وتجاوز أخطائهم في مقتبل العمر.
·
وجوب الحكم بشرع الله العلي
الكريم وإقراره بين الناس لما فيه من إصلاح للأرض والعباد.
·
جواز الحلف بالله تعالى للحاجة.
·
يجوز اللجوء إلى الحيلة للضرورة
تحقيقا لمصلحة شرعية تعود بالنفع، ويدفع بها أذى الغير.
·
مشروعية إعطاء المكافآت لمن
يقوم بعمل معين وهي الجعالة في الفقه.
·
اتهام الناس والكذب عليهم
وقذف أعراضهم من أعظم الخصال الدنيئة المنهية عنها شرعا للأضرار التي تلحقها بالأفراد
والجماعات.
·
الصبر على إذاية الخلق وعدم
مقابلة السيئة بمثلها.
·
الاستعانة على قضاء
الحوائج بالسر والكتمان أصل من أصول الأخلاق الشرعية.
·
المشاورة نافعة في كل شيء
حتى في تخفيف الشر
·
وجوب الرفق بالعجزة والمستضعفين
من الأقارب والأباعد من آكد الواجبات في الدين.
·
لكل نفس ما كسبت من الخير
والثواب ، وعليها ما اكتسبت من الشر والعقاب ، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى.
·
مشروعية الكفالة والكفيل غارم.
·
الصبر على البلاء من صفات
الأنبياء والمؤمنين.
·
مشروعية الاسترحام والاستعطاف
لمن احتاج إلى ذلك رجاء أن يرحم ويعطف عليه.
·
مشروعية الاعتذار عن الخطأ.
·
مشروعية الشهادة بأي وجه حصل
به العلم بالبصر، بالسمع باللمس إذ الشهادة مرتبطة بالعلم عقلا وشرعاً.
·
مشروعية المناجاة للتشاور
في الأمر الهام.
·
وجوب
الالتزام بصفة العدل وتمثل تنزيل أحكامها إحقاقا للحق.
·
الحرص
على تتبع خطوات الأبناء لتربيتهم تربية سليمة.
·
السعي
في صالح وصلاح الآخرين من الأقرباء والأبعاد على السواء.
·
عدم
التسرع في اتخاذ المواقف واقتراح الحلول لمعضلات الحياة ، بالتريث الكافي المستصحب
لذكر الله تعالى والرجاء الصادق فيه.
·
مشروعية التذكير بالالتزامات
والعهود والمحافظة على ذلك.
·
ثقة المؤمن وأمله ورجاؤه دوما
في ربه.
·
التضرع إلا الله تعالى والشكوى
إليه سبحانه ساعة الأحزان والملمات.
·
جواز إظهار التأسف والحزن
والشكوى لله تعالى.
·
جواز الشكوى عند الضّرّ، أي
الجوع، بل يجب على الإنسان إذا خاف على نفسه الضر من الفقر وغيره، أن يبدي حالته إلى
من يرجو منه النفع، كما يجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه، ولا يكون
ذلك معارضا التوكل.
- فضل الصبر الجميل الذي لا
شكوى فيه لغير الله
- لله في خلقه شؤون، يعزّ قوما ويذلّ
آخرين، ويرفع من يشاء درجات بالعلم والإيمان.
- تقرير قاعدة {وفوق كل ذي علم
عليم} إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى
- مشروعية دفع التهمة عن النفس البريئة.
- قد يغلب الحياء على المؤمن فيمنعه
من أمور هي خير له.
- جواز اتهام البريء لملابسات أو
تهمة سابقة.
- مشروعية النصح وتزويد المنصوح
له بما يقوله ويعمله.
- شدة الحزن تعرض صاحبها للحرض أو
الموت.
- حرمة اليأس من الفرج عند الشدة
والرحمة عند العذاب.
- فضل الصدقة وثواب المتصدقين.
- من القيم المستخلصة : التعارف
– الجود والكرم – العدل والحق- الصبر – الرحمة – التشاور – الهدوء – الإرادة –
الإحسان – الصدق – الشهادة – التصدق – المحبة – الوفاء بالوعد – العلم – عفة اللسان واليد...
