مدخل التزكية: العقيدة الإيمان وعمارة
الأرض
نصوص الانطلاق
ـ قال تعالى :" قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
(55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ
يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
(56) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ
(57)" يوسف 55/56/57.
ـ قال تعالى :" قَالَ
تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47)" يوسف 47.
ـ قال تعالى :" وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا
قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ
الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)" هود 60.
شرح المفردات
ـ حفيظ عليم : صاحب أمانة وعلم
ـ يتبوأ منها : يتصرف وفق عدل الله
ـ دأبا : كعادتكم بجد وعزيمة
ـ وإلى ثمود : أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود.
ـ أَخَاهُمْ صَالِحًا : أخاهم في القبيلة لا في
الدين صالحاً لأنه من قبيلة ثمود.
ـ أنشأكم من الأرض : أي ابتدأ خلقكم بخلق أبيكم آدم منها.
ـ استعمركم : جعلكم
عماراً فيها تعمرونها بالسكن والإقامة والإصلاح فيها.
مضامين النصوص
ـ تمكين يوسف عليه السلام
من خزائن الأرض دليل على نموذج الإنسان المعمر لا المفسد.
ـ التدبير الفلاحي الذي
عمد له يوسف عليه السلام دليل على الإعمار الجيد لأرض مصر.
ـ اعتبار العبادة مقصدا
ساميا لعمارة الأرض و تحقيق الاستخلاف.
تحليل المحاور
1 ـ مبدأ الاستخلاف
أساس عمارة الأرض .
أ ـ
مفهوم عمارة الأرض: العمارة لغة : مشتقة من عمر
المكان أي أصلحه وبناه، وضده الهدم والخراب. واصطلاحا : تعمير الأرض
بالعمل الصالح المادي والمعنوي المؤدي إلى الانتفاع بخيراتها بلا إفساد، واستصلاح
أحوالها بما ييسر للإنسان الحياة الطيبة ، ويحقق مرضاة الله تعالى . أو : تعمير الأرض نسبة إلى العمران و
هي استمرارية الوظيفة الإنسانية القائمة على العمل الصالح بجهد الإنسان و عمله المؤدي
إلى الانتفاع بخيرات الأرض بما يحقق مرضاة الله تعالى.
ب ـ مفهوم الاستخلاف: لغة
: من الخلافة: النيابة، استخلف فلانا من فلان جعله مكانه. واصطلاحا
:هو التمكين فيها والملك لها والقيادة والسيادة لمن عليها وقد وعد الله
تعالى عباده المؤمنين بالاستخلاف في الأرض والتمكين فيها إذا حصلوا حقيقة الإيمان
ومقتضياته وأخذوا بأسباب التمكين المادية والمعنوية. قال تعالى:" وعد الله
الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من
قبلهم..." النور:55. . أو :
إنابة الإنسان و توكيله عن الله عز وجل في الأرض لعمارتها و تنفيذ مراده
و تحقيق مشيئته .
ج ـ الاستخلاف أساس عمارة الأرض : الاستخلاف مهمة و أمانة
اختارها الله عزوجل للإنسان يوم أصدر الإعلان الكوني فقال :“ وَإِذْ قَالَ
رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” فكانت مهمته
الأساسية هي إعمار الأرض و استثمار خيراتها التي أودعها الله في هذا الكون , قال تعالى : “هُوَ
أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ
تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ” فتأسس هذا الإعمار على منهج رباني أساسه الإصلاح
و العدل و الإحسان و استغلال ثروات الأرض باعتدال قال عزوجل : “هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا”. فيكون إعمار الأرض غاية
لا تتحقق إلا بالإيمان والعبادة و الطاعة و العمل. قال تعالى :" وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ".
2 ـ غايات وأهداف عمارة
الأرض
ـ عبادة الله تعالى وتوحيده مقصد عمارة الإنسان
في الأرض: قال تعالى:" الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا
الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ
الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ". الحج 39
ـ عمارة الأرض إرث لعباد الله الصالحين: قال
تعالى:" وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ
أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ". الأنبياء 104
3 ـ النهي عن الإفساد
في الأرض
أ ـ مفهوم الإفساد: لغة : من
فسد يفسد فسادا و إفسادا أي خروج الشيء عن حد الإعتدال فهو ضد الإصلاح .
اصطلاحا : هو كل اعتداء على الدين أو العقل أو المال أو العرض أو النفس فيكون غايته
الدمار و الخراب
ب ـ موقف الإسلام من الإفساد
أمر الإسلام بالإحسان والإصلاح ونهى عن الإفساد . يقول تعالى : " وَابْتَغِ
فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ
فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ " سورة القصص ، 77 .وقال تعالى : " وَيَا
قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا
النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ". ويقول تعالى أيضا : " ولا تفسدوا في الأرض
بعد إصلاحها " سورة الأعراف ، 56 .وقد أوصى موسى عليه السلام أخاه
هارون فقال : "
وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا
تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ" . والفساد شر وبلاء لما يترتب عنه من دمار وخراب...،ومن
صور الإفساد في الأرض : الاعتداء على الأموال والأعراض والأرواح وتلويث
البيئة وأكل أموال الناس بالباطل وتضييع حقوق الآخرين ونشر الأكاذيب والأخبار
الزائفة والتهاون في أداء الأمانة والإرهاب زرع التفرقة و العنصرية سوء استغلال الموارد
الاقتصادية و سوء استعمال وسائل الإعلام...
4 ـ واجب المؤمن
عمارة الأرض و إصلاحها
إن أعظم أمانة تحملها الإنسان
هي أمانة الاستخلاف في الأرض لتعميرها، لكن لا يستوي من عمرها إيمانا وإصلاحا، مع
من عمرها ظلما وجورا وعدوانا وكفرا، قال تعالى:" هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ
خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ
الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ
الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا". سورة فاطر: 39. لذا فالإنسان مطالب بتعمير الأرض بعلم نافع و عمل متقن و بأمانة
و مسؤولية بعيدا عن كل ما يخل بالفطرة الإنسانية لأن عمارة الأرض بما هو صالح ،واجب
على كل مؤمن عرف بالكفاءة و الاستحقاق و امتلاك القدرة على القيادة و التخطيط بشكل
متوازن بما يحقق المصلحة العامة و الخلافة الحقيقية قال تعالى :“ وكذلك مكنا ليوسف
في الأرض ليتبوأ منها حيث يشاء ” وقال
تعالى:" قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما
تأكلون " يوسف: 47. ولا يكتمل إعمار الأرض على الوجه الحقيقي إلا اذا
اقترن الإيمان بالعمل الصالح الذي يكون مردوده ايجابيا على الفرد و المجتمع , قال تعالى
:“ إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات إنا لا نضيع أجرمن أحسن عملا ” ;وقال أيضا : " تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ
نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ". [القصص:83].
5 ـ كيف أمتثل لتوجيهات الله تعالى و رسوله لعمارة الأرض ؟
التشبع بالقيم:
ـ السعي لطلب العلم لأن تحقيق عمارة الأرض يرتكز على قوة العلم المصحوب بالعمل
.
ـ أن أكون عنصرا مصلحا لا مفسدا مقتديا بالأنبياء و عباد الله الصالحين .
ـ أسعى لتحقيق الغاية من تعمير الأرض فأكون عابدا مطيعا لله عز وجل .
ـ أغير السلوكات الخاطئة التي هي سبب في الإفساد و الدمار في الأرض .
