مدخل الاقتداء صلح
الحديبية وفتح مكة دروس وعبر
نصوص الانطلاق
ـ قال الله سبحانه : إِذْ قَالَ يُوسُفُ
لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ" يوسف 4
ـ قال تعالى :" لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ
رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ
اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ
فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا" سورة
الفتح:27
- قال
تعالى :" قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ
وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" سورة يوسف:92
شرح
المفردات
- لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق : أي
جعل الله رؤيا رسوله التي رآها في النوم حاصلة لا محالة
ـ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ :
أي محلقا بعضكم جميع شعره، ومقصرا بعضكم الآخر
- لا تخافون: أي آمنين
غير خائفين قبل الإحرام وبعده
- فعلم ما لم تعلموا: أي في الصلح الذي
تَمَّ ، أي لم تعلموا من ذلك المعرة التي كانت تلحق المسلمين بقتالهم إخوانهم
المؤمنين وهم لا يشعرون .
- فتحاً قريبا: هو فتح خيبر
- لا
تثريب عليكم: أي لا عتاب عليكم ولا لوم .
مصطلحات
ذات صلة بالموضوع
ـ الصلح:
هو اتفاق طرفين أو أطراف على تجاوز ما كان بينهم من العداوة والخصومة وأسباب النزاع
والفرقة والخلاف.
ـ المعاهدة : لغة : إعطاء
الأمان والعهد بالكف عن المقاتلة؛ و اصطلاحا: اتفاق إرادتين على ترك
القتال والنزاع بعوض أو بغير عوض.
ـ معاهدة الصلح: تعني الاتفاق والمواعدة على
ترك القتال والصراع وتجاوز أسباب الخلاف بين الفريقين المتخاصمين وفق شروط محددة لا
يجوز لأي طرف خرقها ولا تجاوزها ضمانا للسلم بينهما.
ـ الفتح: الدخول إلى أرض أو بلاد وامتلاكها بعد أن كانت في
قبضة العدو؛ وفي التاريخ الإسلامي تعني دخول مكة وضمها إلى حوزة الدولة الإسلامية وكان
ذلك في السنة الثامنة للهجرة.
مضامين
النصوص
ـ حكاية
يوسف عليه السلام لأبيه الرؤيا التي رآها في المنام.
ـ بيان
الآية الكريمة الرؤيا التي رآها الرسول المتمثلة في دخول المسجد
الحرام هو وأصحابه آمنين عير خائفين.
ـ العفو
والتسامح من أهم وسائل تحقيق الصلح بين المتخاصمين.
تحليل المحاور
1 ـ تعريف صلح الحديبية : معاهدة
أبرمها المسلمون مع قريش في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة قرب الحديبية
بضواحي مكة، جاءت بعد منع قريش لرسول الله وأصحابه من
الدخول إلى المسجد الحرام، وبعدما رأى رؤيا صادقة
بدخوله مكة معتمرا هو وأصحابه، فأخبرهم بذلك، ففرحوا فرحا شديدا، إلا أن هذه العمرة
لم تَتِمَّ حيث منعتهم قريش منها، وانتهت ببيعة الرضوان.
2 ـ السياق النفسي والإيماني لصلح الحديبية:
لقد شغفت نفوس الصحابة رضوان الله عليهم لتحقق
رؤيا رسول الله بعد طول معاناة مع عناد
المشركين وحربهم لرسول الله
ولمن آمن معه فلم يشك
الصحابة(المهاجرون والأنصار) في تحقق الرؤيا إلا أن مناخ التشكيك في عودتهم سالمين
كان مخيما في نفوس بعض المتربصين من الأعراب والمنافقين الذين لم يخرجوا مع رسول
الله للعمرة ، لكن الله تعالى فضح نواياهم فقال جل جلاله :" بَلْ
ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ
أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ
وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا" الفتح 12
3 ـ في
الطريق إلى مكة :
ـ خرج النبي ومعه زوجه أم سلمة في ألف
وأربعمائة مسلم إلى مكة لقضاء أول عمرة لهم بعد الهجرة ، فلما وصل صلى الله عليه
وسلم ذي الحليفة أهل محرما ومن معه و ساق معه الإبل و الأنعام تعظيما للبيت الحرام، ليعلم الناس و قريشا خاصة أنه لا يريد قتالا، و لم يخرجوا معهم بسلاح إلا سلاح المسافر.
ـ بعث بسر بن سفيان إلى مكة للاستطلاع
فجاءهم وأخبرهم باستعداد قريش لمنع المسلمين من الدخول.(أرسلت قريش جيشا بقيادة
خالد بن الوليد لمنع الرسول
و أصحابه من دخول مكة).
ـ مشاورة الرسول أصحابه في الأمر فأشاروا
عليه بالتقدم. قال
( أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم
وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله عز و جل قد قطع
عينا من المشركين وإلا تركناهم محروبين ) . قال أبو بكر يا رسول الله خرجت عامدا لهذا
البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه . قال " امضوا على اسم الله"
صحيح البخاري
ـ بعدها سلك رسول الله مسالك وعرة ليتفادى جيش قريش بقيادة خالد بن الوليد ووصل الحديبية
حيث بركت ناقته القصواء. (تبديل الطريق واجتناب اللقاء الدامي).
ـ لما وصل الرسول إلى الحديبية جاءه بعض رجال من قريش يسألونه عن سبب قدومه، فأخبرهم أنه لم يأت إلا ليزور البيت و يعتمر، فرجعوا و قالوا لهم : إنكم تعجلون على محمد، لم يأت لقتال، إنما جاء زائرا لهذا البيت...
ـ ثم بعث الرسول عثمان بن عفان إلى أهل مكة ليؤكد لهم الغرض من مجيئه مع الصحابة، فقالوا لعثمان : إن شئت تطوف بالبيت، فقال : ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله، ثم حبسوه عندهم، فأبطأ عثمان و أشيع أنه قد قتل، فلما بلغ رسول الله خبره قال : لا نترك هذا المكان حتى نحارب هؤلاء القوم. فدعا
إلى البيعة لتوحيد قلوب المسلمين على الصمود
ومواجهة عدوان قريش ، فكانت بيعة الرضوان بيعة الثبات على المبدأ.
4 ـ بيعة الرضوان : جائزة الصادقين
ـ كانت البيعة نصرة للإسلام وتجديد العهد مع الله.
ـ دعا
الرسول المسلمين للبيعة على
الانتصار له.
ـ استجاب المسلمون وبايعوه تحت الشجرة ـ بيعة الرضوان
ـ وبايع رسول الله نيابة عن سيدنا عثمان رضي الله عنه، فقال رسول الله :" هذه يد عثمان فضرب
بها على يده فقال : هذه لعثمان" حرصا
منه لينال عثمان فضل البيعة.
ـ أنزل الله تعالى في هذه البيعة قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ
عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا" الفتح 10
ـ كانت بيعة الرضوان جزء من الفتح الذي سيقوم على
السلم وبأسلحة السلام.
5 ـ التفاوض حول بنود صلح
الحديبية:
لما
علمت قريش بالبيعة التي بايع فيها المسلمون الرسول على قتال قريش وعدم الفرار بعد إشاعة خبر مقتل
عثمان بن عفان، أسرعت قريش في طلب الصلح مع المسلمين حيث أرسلت مجوعة من المفاوضين
كان آخرهم سهيل بن عمرو الذي نجح في عقد الصلح مع رسول الله
والذي استبشر به الرسول
أصحابه فقال لأصحابه : لقد أراد القوم الصلح حين
بعثوا هذا الرجل" نظرا لذكائه وحنكته السياسية التي عرف بها عند قومه وكان
سيدا من أسياد قريش، فتكلم سهيل طويلا ثم اتفقا على بنود، فَقَالَ سهيل: هَاتِ اكْتُبْ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا فَدَعَا
الْكَاتِبَ" علي بن أبي طالب" فأملاه
:"اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ سُهَيْلٌ
أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَ اللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ؟َ وَلَكِنْ اكْتُبْ بِاسْمِكَ
اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ وَاللَّهِ مَا نَكْتُبُهَا
إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ النَّبِيُّ
: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، ثُمَّ قَالَ
: هَذَا مَا صالح عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ
سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ
عَنْ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ وَلَكِنْ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
فَقَالَ النَّبِيُّ
وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ
اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأسفرت
المفاوضات عن اتفاق سمي في السيرة"صلحا" والذي جاءت بنوده على
الشكل التالي:
·
باسمك
اللهم.
·
هذا ما
صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو.
·
واصطلحا
على وضع الحرب على الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض.
·
على أنه
من أتى محمدا من قريش مسلما رده عليهم،ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه.
·
من أحب
أن يدخل في عقد محمد وعهده دخله ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.فدخلت
خزاعة في عهد المسلمين، ودخلت بنو بكر في عهد قريش.
·
أن يرجع المسلمون
إلى المدينة هذا العام فلا يقضوا العمرة إلا في العام القادم. ، ويمكثوا في مكة ثلاثة أيام، وليس معهم إلا سلاح الراكب أي السيوف في أغمادها.
6 ـ موقف الصحابة من الصلح:
ـ لقد شق
على بعض المسلمين ما تم التعاقد عليه ، واعتبروا تلك الشروط مجحفة وأنهم الطرف
الخاسر في القضية ،وتدمروا من هذا الصلح، غيرة
وحمية لدين الله ، ولم يكن أمام الرسول صلى الله عليه وسلم إلا الثبات على الوفاء
بالعهد ، لعلمه بما ستؤول إليه الأمور من الفتح ودخول الناس في دين الله أفواجا،
وكان ممن اعترض على هذه البنود عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي لم يستطع كتم حزنه
وألمه وعدم رضاه بالصلح، فراجع النبي
فقال
له: (ألست نبي الله حقا؟ قال: (بلى). قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال:
(بلى). قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ قال: (إني رسول الله ولست أعصيه، وهو
ناصري). قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال: (بلى، فأخبرتك
أنَّا نأتيه العام؟) قال: قلت: لا. قال: (فإنك آتيه ومطوف به) . وبقى في نفس عمر
رضي الله عنه بعض الحرج، حتى (نزل القرآن على رسول الله
بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال:
يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: نعم. فطابت نفسه ورجع)
ـ ومن الوقائع التي تبين عدم رضا الصحابة رضوان الله
عليهم ببنود الصلح ، عدم تحللهم من العمرة (الحلق والنحر)، الذي أمرهم به رسول
الله ، لكن بعد مشاورته
لزوجته أم سلمة رضي الله
عنها نصحته بأن لا يكلم أحدا، حتى ينحر ويحلق، فقام
ونحر وحلق، فقام أصحابه
ينحرون ويحلقون.
7 ـ نتائج
صلح الحديبية
رغم ما في بنود الصلح من إجحاف في حق المسلمين لما تحتويه في ظاهرها من إذعان وخضوع لقريش، إلا أنها تضمنت في باطنها فتحا
كبيرا للمسلمين تمثل فيما يلي:
ü
تفرغ
الرسول لنشر
الإسلام دون خوف من قريش.
ü
التنقل إلى معسكر الشرك ونشر الإسلام بداخله.
ü
دخول أعداد
كثيرة من العرب في الدين الإسلامي .
ü
إسلام ثلاثة من أعظم قادة مكة:(خالد بن الوليد ،
وعمرو بن العاص ، وعثمان بن أبي طلحة).
ü
اعتراف قريش بالمسلمين ككيان ودولة ذات سيادة
ü
تكبدت قريش خسائر معنوية أهمها سقوط مهابتها أمام العرب.
ü
الإقرار بحقهم في العمرة وهو اعتراف ضمني بالإسلام.
ü
إسهام صلح الحديبية في فتح مكة الأعظم.
ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه:" إنكم تعدون
الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية".
8 ـ الدروس والعبر المستفادة من صلح الحديبية
- رؤيا الأنبياء حق
- التأكيد على أهمية القدوة العملية، فقد دعا رسول الله إلى
الحلق وذبح الهدي، ولم يستجب أحد لدعوته، فلما أقدم رسول الله
على
الخطوة العملية التي أشارت بها أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ تحقق المراد./ القدوة العملية
أجدى وأنفع من التوجيه المجرد عن العمل.
-
وجوب طاعة الرسول لأنه
مؤيد بالوحي، حتى ولو قصرت عقولنا عن إدراك غايته وعاقبة أمره.
- أجواء السلام والأمان تشجع الناس أكثر على قبول دعوة الإسلام.
- عرض الإسلام على الناس في أجواء الأمن والحرية وبالحجة
والكلمة الطيبة كان له أثر كبير في دخول الناس في دين الله .
- الاستجابة لطلب الكفار جائز إذا كان فيه تعظيم لحرمات الله
عز وجل.
- وجوب التروي في الحكم على الأمور التي تصدر من القيادة
المؤمنة إذا لم تظهر الحكمة منها.
- جواز عقد الصلح عقد الصلح مع الكفار والمشركين .
-
عقد الصلح بين الرسول
وقريش دليل على الكفاءة والاستحقاق لحمل الرسالة والتكليف بالدعوة.
- الوفاء بالعهود والسعي إلى التسامح والتصالح
وتجاوز الأحقاد بعزة نفس من سمات المؤمنين الصادقين.
- المسام الحق شديد الثقة بموعود الله له ونصره
إياه مهما تعقدت الظروف واشتدت الصعاب وتوالت المصائب والمشاكل وتأخر الفرج.
- الحرص الدائم على مصالح البشرية وسعادتها وهدايتها
إلى سبل الحق والفلاح في الدنيا والآخرة غاية كل مسلم صادق.
- محبة النبي
تستلزم طاعته والتزام أوامره وتصديقه في كل ما
يخبر به عن ربه والاقتداء بسنته كما كان شأن
الصحابة.
- الإسلام دين الأمن والسلام والعدل والرحمة؛
لذا فهو يأبى الظلم ويسعى إلى نشر قيم التسامح وبث الأمن وتجنيب البشرية أسباب الهلاك
بعزة وأنفة ولكنه مع ذلك يرفض الاستسلام والهوان والضعف.
- الشدائد والمحن تصنع الرجال الأبطال والقادة
الشجعان كما تمييز بين الصادق والمنافق الكذاب، وكل محنة تخفي وراءها منح وانتصارات
- النبي رسول
مبلغ يلتزم شرع ربه وأوامره ولا يتجاوز ما أمر به.
- للمرأة دور كبير في نصرة الدين ونشره ومعالجة قضاياه ومشاكله
ومشاركة الرجل في حمل همومه؛ كما هو شأن أم سلمة رضي الله عنها التي أسهمت في إنهاء
حيرة الصحابة وغضبهم بحكمتها.
- الأخذ بالرأي والخبرة والتجربة تجسيدا لمبدأ الشورى والالتزام
به.
فتح
مكة دواعيه ونتائجه / الدروس والعبر
1 ـ فتح مكة : تاريخه وسببه : كان فتح مكة في رمضان من السنة الثامنة للهجرة؛
وكان توجه الرسول وصحابته صوب مكة فاتحين بعدما نقضت قريش وحلفاؤها
بعض بنود صلح الحديبية؛ حيث اعتدت بنو بكر حلفاء قريش بتمويل من قريش على خزاعة حلفاء
الرسول
فقتلوا منهم حوالي 20 رجلا، فلما بلغ الخبر رسول
الله
غضب
غضبا شديدا فتجهز لفتح مكة مقررا كتمان أمر الهجوم حتى لا تستباح حرمة مكة وحتى لا
يكثر القتلى.
2
ـ نتائجه : ومن أعظم نتائج هذه الحادثة
دخول الرسول
وصحابته مكة فاتحين منصورين والقضاء على غطرسة
قريش وجبروتها وإنهاء الشرك واجتثاث عبادة الأصنام من جزيرة العرب حيث تم بعد الفتح
هدم كل الأصنام التي كانت محيطة بالبيت الحرام كما هدمت سواع والعزى ومناة، هذا بالإضافة
إلى أن هذا الفتح قضى على موانع إقبال الناس على دين الله فتشجع من كان يكتم إسلامه
على إعلان إسلامه بالإضافة إلى كسر أنفة وكبرياء العديد من صناديد قريش فأسلموا لما
رأوا من تأييد الله لنبيه كأبي سفيان وهند بنت عتبة؛ كما تشجعت قبائل كثيرة برمتها
على الدخول في دين الله أفواجا فتحقق وعد الله الذي وعد به نبيه
بعد
الحديبية.
3 ـ الدروس والعبر
- الظلم والطغيان مهما تعجرف وطال زمانه وقويت
شوكته وامتلك أهله من المال والعتاد والعدد فهو إلى زوال واندثار.
- المسلم يتجنب سفك الدماء أو استباحة الأموال
بدعوى هداية الناس.
- الإسلام دين العفو والمسامحة وليس دين الثأر
"اذهبوا فأنتم الطلقاء" لذا وجب على المسلم تمثل هذا الخلق في سلوكه بالصفح
عمن ظلمه.
- كبر و أنفة بعض الناس لا تكسره إلا بالحجة
الباهرة الواضحة لذا على المسلم الاعتماد بعد الله على إظهار آيات الله والدعوة بها
والاستناد إليها.
- العقيدة السليمة أساس الهداية
والرشاد والفلاح فعلى المسلم أن يسعى جاهدا إلى ترسيخ قيم العقيدة الإسلامية الصحيحة
ويقبر الخرافات والأوهام وأن يقضي على مصادرها كما فعل رسول الله
وصحابته، وذلك بالحكمة والحجة والبرهان.
4
ـ الحرية والسلام والتسامح والوفاء بالعهود من أسس انتشار الإسلام وبقائه.
ـ إن
الدين الإسلامي دين يكفل لكل شخص حرية الاعتقاد، فلا يحق لأي شخص ما أن يفرض دينه
أو معتقده على غيره أو يجبره على ترك دينه، والإكراه في الدين منفي في نصوص القرآن
قال تعالى :" لا إكراه في الدين" لكن الإنسان المسلم يدعو إلى
الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ، فكل إنسان له الحق في اختيار الدين الذي يحبه
ويرتاح إليه، أو الإيمان من عدمه قال تعالى:" فمن شاء فليومن ومن شاء
فليكفر" كما أن الإكراه لا يمكن أن يأتي بتدين سليم وعقيدة صحيحة فلا
إكراه في الدين ولكن حرية واختيار مطلق. وعليه فديننا الحنيف دين السلام والتسامح
لا دين سفك الدماء والعدوان والظلم، ودين التعايش السلمي والعفو ولو نظرنا إلى المُعاهَدات
التي عقدَها النبي مع
غير المسلمين، لرأينا فيها من صُنوف التسامُح وحُسن الجِدال وضُروب العفو والصفح ما
لا ينقضِي منه العجَب:«من دخلَ دارَ أبي سُفيان فهو آمِن، ومن أغلقَ عليه بابَه
فهو آمِن، ومن ألقى السلاحَ فهو آمِن».وقال لقريشٍ يوم الفتح، وهم من هم في ماضِيهم
الأسود، وتاريخهم المُظلِم مع رسول الله -
-
وأصحابه، وتعذيب المُستضعَفين، وإيذاء المؤمنين، لقد قال لهم: «ما تقولون أني فاعلٌ
بكم؟». فقالوا: أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم، فقال: «أقولُ كما قال أخي يوسف: لاَ تَثْرَيبَ
عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين [يوسف:92]،
اذهبُوا فأنتمُ الطُّلَقاء».وحين قيل له: ادعُ على المشركين. فقال
:
«إني لم أُبعَث لعَّانًا، وإنما بُعِثت رحمةً»؛ أخرجه مسلم. كما أن دين
الإسلام دين الوفاء بالعهود قال الله سبحانه وتعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ
إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة:177] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا
بِالْعُقُودِ} [المائدة:1].، وقد اتضحت هذه القيم جليا في صلح الحديبية الذي
عقده الرسول مع المشركين وبالتالي فهذه
القيم وغيرها التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية مكنت من انتشار الإسلام وبقائه
شامخا أمام كل التحديات عبر الزمان والمكان .
جواب
آخــر:
ـ يمكن الإجابة على هذا السؤال من خلال التركيز على صلح
الحديبية وما رافقه من نتائج، ولعل أهمها دخول عدد كبير من الناس في الإسلام بفضل
أجواء الحرية والأمن التي مكنت المسلمين من نشر الدين الإسلامي بالكلمة الطيبة
والحجة البالغة لا بالإكراه، قال تعالى:" لا إكراه في الدين" في
القبائل العربية بل وداخل معسكر قريش، حيث شجعت أجواء الأمن والحرية في تعرف الناس
على الإسلام والرسول
وأخلاقه المثلى ، واعتناقهم دين الرحمة والتسامح والوفاء، لا دين الظلم والخيانة
وسفك الدماء ولو نظرنا إلى هذا الصلح الذي عقدَه النبي
مع
قريش، لرأينا فيه من صُنوف التسامُح وحُسن الجِدال والوفاء وضُروب العفو والصفح ما
لا ينقضِي منه العجب ، فقد سامح وتنازل
عن بعض الجزئيات التي لم تعجب مفاوضه،رغم اعتراض الصحابة تأكيدا منه
لمفاوضه على قيمة التسامح في الإسلام ، وقد أسفرت هذه المفاوضات
عن مجموعة من البنود سميت " بنود الصلح" التي وفى بها المسلمون، قال
تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ".
إلا أن قريشا أخلت بها ، فكان ذلك سببا في فتح مكة، الذي أكد فيه الرسول
مرة
أخرى على قيم العفو والتسامح بعد أن تمكن من قريش، وهم من هم في ماضِيهم الأسود مع
المسلمين، فقال لهم رسول الله
:"«ما
تقولون أني فاعلٌ بكم؟». فقالوا: أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم، فقال: «أقولُ كما قال أخي
يوسف: لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين
[يوسف:92]، اذهبُوا فأنتمُ الطُّلَقاء»، وبالتالي فهذا الصلح و الفتح
المبارك القائم على سلاح الأمن والأمان مكن من انتشار وبقاء الإسلام في شبه
الجزيرة العربية بفضل قيم الأمن والحرية والتسامح والكلمة الطيبة...
فائدة مهمة:
ـ صلح الحديبية ابتدأ برؤيا :" لَقَدْ صَدَقَ
اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ
إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا
تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا
قَرِيبًا" .كما ابتدأت قصة يوسف برؤيا يوسف عليه
السلام، قال تعالى:" يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا
والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين" ، والحدثان معا انتهيا بتحقق الرؤيا،
مما يدل على أن رؤيا الأنبياء حق، وهي نوع من الوحي .
ـ قيمة العفو والصفح: هي قيمة مشتركة بين
جميع الأنبياء، فكما عفا يوسف عليه السلام عن إخوته ، قال تعالى:" قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ
لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ".كذلك عفا النبي عن الذين ظلموه من أهل قريش فقال
:
لهم ما قاله يوسف إلخوته وزاد على ذلك: " اذهبوا ف أنتم الطلقاء".
5 ـ التشبع بالقيم
ـ الصبر على طلب العلم
والتفقه في لغة القرآن لتعلم الفهم السديد لخطاب الوحي.
ـ اجتناب التسرع في حمل
نص القرآن والحديث على ظاهرهما إن كان بهما خفاء أو تشابه.
ـ التسليم لرسول الله
وطاعته بعد الفهم السديد لسنته وقراءة السيرة والاعتبار بأحداثها.
