مدخل القسط حق النفس : الصبر واليقين
نصوص الانطلاق
قال
تعالى :"وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ
لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا
تَصِفُونَ (18)" يوسف 18
قال
تعالى:﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ
أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَئِنَّكَ
لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا
إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ (90)﴾ سورة يوسف الآيتان:89-90
- عَنِ
الْحَسَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا فِي الدُّنْيَا خَيْرًا مِنْ الْيَقِينِ
وَالْمُعَافَاةِ فَسَلُوهُمَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلّ" مسند أحمد
شرح المفردات
ـ من الله علينا : كافأنا ومنحنا وأنعم علينا.
ـ ويصبر : من الصبر وهو التحمل
و الثبات.
ـ المعافاة : السلامة من
الآفات.
مضامين النصوص
ـ صبر ويقين يعقوب عليه السلام بالله تعالى بعد فقد ابنه يوسف عليه السلام.
ـ ثمار الصبر على البلاء والمعاناة، الجزاء الحسن عند الله تعالى .
ـ الترغيب في سؤال الله تعالى
اليقين والمعافاة، لما لهما من آثار طيبة في الدنيا والآخرة .
تحليل المحاور
1 ـ مفهوم الصبر وتجلياته
أ ـ معنى الصبر:لغة: الحبس والكف والمنع والتحمل. اصطلاحا:
حبس النفس عن فعل شيء أو تركه ابتغاء وجه الله تعالى.
أو
: هو
قدرة الإنسان على تحمل المصاعب والابتلاءات على اختلاف أنواعها؛ سواء كانت في
الجسد أو في الطاعات أو غيرها من أمور الدنيا الزائلة، والقدرة على ضبط النفس عن
القيام بالمعاصي والفواحش ما بطن منها وما ظهر .
ب ـ تجلياته :
- تحمل تبعات ومتطلبات الطاعات ومشاق العبادة والمداومة عليها دون تكاسل ولا
تهاون ولا اعتراض ولا ملل .
- تحمل نوازع النفس الأمارة بالسوء ومجاهدتها على تجنب المحرمات والنواهي وكفها
عن معصية الله ومخالفة أوامره.
- الامتناع عن الشكوى لغير الله تعالى وتحمل الأقدار
المؤلمة ومواجهة المصائب بصبر تام دون تسخط.
ج ـ أنواع الصبر: صبر على طاعة الله تعالى،
وصبر عن معصية الله تعالى، وصبر على امتحان الله تعالى وابتلائه.
2 ـ معنى
اليقين وتجلياته
أ ـ معنى اليقين : : لغة: السكون والثبات
والاستقرار.اصطلاحا: حصول العلم بالشيء عن طريق الجزم والقطع من غير شك ولا ريبة. أو : هو اليقين الجازم بعلم وطمأنينة واستقرار نفس،
بكل ما جاء في الكتاب والسنة عن الله تعالى، يقينا يدفع المرء إلى العبودية لله
تعالى مع حرص شديد على إخلاص النية له سبحانه، وإتباع ما جاء به الرسول صلى الله
عليه وسلم.
ب ـ تجلياته :
- التصديق الجازم بكل ما أخبر به الله ورسوله دون شك ولا تردد
- كمال الرضا بقضاء الله وقدره و بحكم الله ورسوله .
- الثبات على الدين والإخلاص في الأعمال والتزام أحكام الشرع دون التفات
ولا مراوغة.
- دوام التوكل على الله والإيمان بنصره والاستعانة به والتوبة إليه وطلب
توفيقه.
- التفاؤل الدائم والحرص على العمل الصالح والثبات عليه ومواصلة الجد...
3 ـ علاقة الصبر باليقين في الإيمان والعمل
ـ في الإيمــــــــــان :
- الإيمان متوقف على التصديق الجازم
(اليقين) وعلى العمل الصالح الذي يتطلب الصبر، فكان الإيمان متوقفا على الصبر واليقين
إذ لا إيمان بدونهما، قال تعالى: "وجعلنا منهم
أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون"السجدة 24.
- اليقين يورث الصبر وكلاهما ينبع من الإيمان، وكلما قوي الإيمان قوي الصبر
واليقين
- الصبر نصف الإيمان واليقين هو الإيمان كله؛ ولا تمام للإيمان بغياب أحدهما
فهما علامتين على تمام الإيمان؛ فأعظم الناس إيمانا أكثر صبرا وأتمهم يقينا.قال رسول الله: " عجبا لأمر المؤمن
إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكانت خيرا له
وإن أصابته ضراء صبر فكانت خيرا له" رواه الإمام مسلم.
- بالصبر واليقين ينتشر الإيمان ويعم نوره الأرض ويزول الشرك ومظاهره وشروره.
ـ في
العمــــــــــل :
- بالصبر واليقين يصلح الفرد والجماعة
سلوكا و حالا ماديا ومعنويا.
- الثبات على العمل الصالح والمثابرة فيه متوقف على اليقين بالتوفيق والنجاح
وعلى الصبر و تحمل العقبات والمعيقات التي تعترض طريق العاملين.
- بالصبر واليقين يتحقق الإحسان والإتقان في العمل، مما يسهم في نماء المجتمع
والنهوض بأوضاعه وتقدمه من جميع نواحيه وبذلك تبنى الحضارة الإنسانية القوية المستقرة
، كما أن الإخلاص مرتبط باليقين بالله والكف عن الرياء وحب الظهور.
- الصبر واليقين أساس أداء حقوق العباد والوفاء بالأمانات والنجاح في المسؤوليات.
- بالصبر واليقين تسمو العلاقات الاجتماعية وتنزاح الخلافات وتختفي الصراعات.
- الصبر واليقين أساس انضباط السلوك وصلاح العمل وشرط التغلب على المعاصي.
4 ـ الصبر واليقين أساس ثبات الإيمان
إن ثبات إيمان العبد واستقراره
وقوته واستمراره مرتبط تمام الارتباط بيقينه التام الذي لا يخالطه ولا يعترضه شك
ولا ريبة بصدق وصحة وواقعية أخبار الغيب كلها دون استثناء، ، ولهذا يقول
النبي صلى الله عليه وسلم :« أفضل الأعمال عند الله: إيمان لا شك فيه .. ». فلا
إيمان ولا دوام له إلا بتحقيق أركانه كلها والثبات عليها والجزم والقطع بها، فكم
من مؤمن ارتد عن دينه بسبب تسلل الشك في بعض أخبار الغيب وأركان الإيمان إلى قلبه
كما حدث لبعض المسلمين في الفترة المكية الذين ارتدوا بعد إنكارهم لمعجزة الإسراء
والمعراج بينما ازداد إيمان غيرهم وثبت ورسخ وتقوى كحال أبي بكر الصديق، وكم من
كافر مكذب امتلأ قلبه نورا وإيمانا بفضل
تصديقه وجزمه بصحة أخبار الغيب وأحكام الشرع فتغلغل الإيمان إلى أعماق قلبه وقوي
باستمراره في طريقه والعلم بأحكام الدين؛شأن كثير من غير المسلمين الذين هداهم
الله إلى الإسلام وكشف لهم بعض حقائقه فاستمروا في الإيمان الذي كان بذرة تقوت
ونمت إلى أن بلغت الذروة بفضل حرصهم على التصديق
وطرد الشكوك.
كما أن الصبر يقوي إيمان العبد
وينميه إلى أن يصل إلى درجة التمام، فصبر المؤمن على الأقدار المؤلمة وعلى طاعة
ربه ومجانبة معصيته يدعم إيمانه به ويزيده يقينا بقدرته وعظمته ورحمته، ومن لم
يصبر على مجاهدة أهواء النفس ونزواتها وعلى تحمل مشاق العلم والعمل فإن إيمانه
سيتراجع إلى أن ينمحي ويزول نهائيا فينقلب من مؤمن إلى كافر، ومن لم يصبر كفر
بالقضاء والقدر وبعدل ورحمة وحكمة الخالق سبحانه وتعالى وجحد نعمه الظاهرة
والباطنة، وكلما قوي صبر العبد قوي إيمانه واستقر في قلبه وثبت عليه إلى أن يلقى
ربه على ذلك.
جواب آخــــــــــــــر
ـ علاقة الصبر باليقين في الإيمان والعمل:
الصبر خلق يصاحب المؤمن في جميع أحواله، يصبر نفسه على طاعة الله، وعن المعاصي،
وعلى الشدائد والابتلاءات، أما اليقين فيشمل الإيمان كله، ويستوعب الدين كله. فالصبر
إذاً ثمرة من ثمرات اليقين، من جهة أخرى فإن الصبر يشير إلى الناحية العملية السلوكية
عند الفرد والأمة، أما اليقين فيتناول الجانب القلبي والفكري. ومن جمع هاتين الصفتين:
الصبر واليقين، صار إماما يقتدي به الناس في الدين.
ـ الصبر واليقين أساس ثبات الدين:
إذا كان الصبر حالة تصاحب المؤمن في جميع أموره، به يتحمل مشاق العبادة وشدائد
الابتلاءات وميولات النفس إلى المعاصي، فإن اليقين يجعل المؤمن ثابتا في إيمانه، مستقيما
على دينه، مهما كانت العوائق والعقبات.
5- قبس من يقين الأنبياء والمرسلين:
لقد وردت في قصص الأنبياء والمرسلين صور
عديدة توضح تباثهم ويقينهم بوعد الله ومن هذه الصور:
- دعوة
إبراهيم عليه السلام ربه للعناية بزوجه وولده إسماعيل وأن يرزقهما عندما تركهما في
مكة . قال تعالى: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ
مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي
إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . إبراهيم 39
- قصة إبراهيم مع ابنه لما رأى أنه يذبحه فاستجاب له حتى إذا أراد أن يذبحه
فداه الله بذبح عظيم قال سبحانه:" قَالَ
يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ
الصَّابِرِينَ "الصافات:102
- قصة يعقوب عليه السلام مع أولاده كان موقنا بوعد ربه أن يرجع له ولديه
عندما فقدهما.
- قصة موسى
مع ربه عندما أخذ موسى عليه السلام العصا التي حولها الله تعالى حية كان موقنا
بحفظ ربه له قال تعالى :" قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ
سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى" طه:20
- خروج الرسول لأداء عمرة الحديبية كان موقنا بالفتح قال تعالى:" لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ
" الفتح:27
6 ـ التشبع بالقيم
كيف أحفظ حق نفسي فأتحلى بالصبر واليقين وأقتدي بسير الأنبياء والمرسلين
عليهم السلام؟
- أقرأ سير الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، وأعتبر بها.
- أواظب على
قراءة سيرة سيدنا محمد ، وأتأمل صبره على الشدائد والمحن ويقينه بفرج
الله ونصره.
- أتقي الله تعالى ، وأوقن أن الله تعالى مع الصابرين.
- أوقن بأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين ، وأتوكل عليه حق توكله
بإتقان عملي وحسن معاملة الخلق.
