مدخل الحكمة العفو والتسامح
نصوص الانطلاق
قال الله تعالى: " قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ
آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ
عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)"
يوسف 91/92.
قال
تعالى: " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ
(199)" الأعراف 199
قال
تعالى: "قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا
خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ (98)"
يوسف 97/98
شرح المفردات
ـ آثرَك: اختارك واصطفاك وفضلك علينا.
ـ لا تثريـب: لا عتاب ولا توبيخ ولا لوم عليكم.
ـ استغفر لنا: السين والتاء للطلب، أيْ: اطلُبِ اللهَ تعالى أن يعفو عنا ويغفر لنا
ذنوبنا.
ـ وأمر بالعرف: أي المعروف من الأقوال الحسنة
والأفعال الجميلة.
ـ وأعرض عن الجاهلين:
الجاهلون هم الذين لم
تستنر قلوبهم بنور العلم والتقوى ، والإِعراض عنهم بعدم مؤاخذتهم على السوء قولهم
أو فعلهم .
مضامين النصوص
ـ عفو يوسف عليه السلام عن إخوته رغم ما لاقاه
منهم ظلم وضرر.
ـ أمره تعالى نبيه بالتمسك بخلق العفو
والصفح، والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهل والظالم.
ـ استغفار يعقوب عليه
السلام لأبنائه بعد طلبهم العفو والتسامح منه لما صدر منهم من أخطاء.
تحليل المحاور
1 ـ مفهوم العفو والتسامح
أ ـ مفهوم
العفو: لغة: الطمس والمحو. اصطلاحا : إسقاط العقوبة
عن المذنب المستحق للعقوبة ، مع وجود القدرة على إنزالها به. قال تعالى :" فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)" البقرة 108
ب ـ
مفهوم التسامح: لغة: اللين واليسر واصطلاحا:اليسر في المعاملة ، النابع من جود المتسامح
وكرمه، وهو خلق يشمل المعاملات المالية والاجتماعية، يراعي خلالها المتسامح حال المتعاملين
معه ، ويحترم حق الغير في التعبير عن رأيه
ولو كان مخالفا له في الرأي ما لم يسئ إلى معتقده ومقدسات دينه. أو : التنازل عن الحق لصالح الآخر تفضلا
وكرما وإحسانا لا ضعفا وهوانا.
2 ـ خصائص ومميزات العفو والتسامح في الإسلام
- العفو صفة من صفات الله تعالى
: قال سبحانه : " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ
وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ" الشورى:23
- العفو خلق الأنبياء والرسل
عليهم السلام : لقد حفلت السيرة النبوية بمواقف العفو ، من بينها موقف سيد الخلق محمد عند فتح مكة لما سأل مشركي
قريش المهزومين والمستسلمين :ما ترون أني فاعل فيكم ؟ قالوا:خيرا ، أخ كريم
وابن أخ كريم . عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله
خاطبهم فقال : أقول كما
قال يوسف { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } قال فخرجوا
كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام.
- العفو خلق الصالحين : فلا يعفو إلا من انطبعت نفسه عليه وفاض قلبه بالكرم
والسخاء ، قال تعالى :" وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ
عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ " الشورى:37
3 ـ العلاقة بين العفو والتسامح
·
علاقة عموم وخصوص
ـ فالعفو والتسامح
كلاهما من مراتب الإحسان، إلا أن مفهوم التسامح أعم وأشمل من مفهوم العفو، لأن
التسامح يكون مع المخطئ وغير المخطئ معا، بينما العفو يكون مع المخطئ فقط فيكون
التسامح أعم من العفو.
·
علاقة ترابط وتكامل
ـ التسامح
أساس العفو وركيزته ، إذ لا عفو بدون تسامح، والعفو هو الوجه الظاهر للتسامح، ولا
حقيقة للتسامح بدون عفو، فهما وجهان لعملة واحدة، لأنهما متلازمان ومحققان لذات
المقصد والهدف، والإنسان كلما كان سمحا لين الجانب سهل المعاملة رقيق القلب كريم الطبع
رفيقا بالآخرين محسنا في معاملتهم؛ كلما كان العفو عنده خصلة ثابتة وخلقا راسخا ووصفا
مميزا، فيكون دائم المبادرة إلى تجاوز زلات الآخرين وأخطائهم،متنازلا عن حقه في الثأر
والمطالبة بمعاقبة من ظلمه،فيغلب جانب اليسر والعفو عن الغلظة والانتقام والانتصار
للذات مستحضرا قول النبي :" ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا".
4 ـ العفو والتسامح أساس نشر المحبة وتماسك المجتمع
ـإن المجتمع المتسامح الذي تربى أعضاؤه على العفو
والصفح والتجاوز عن أخطاء بعضهم البعض مؤهل لكي تعمه المحبة والوفاق والتآزر؛ فكلما
عفا العبد عمن ظلمه وتجاوز عن أخطائه، وقابل إساءته بالإحسان ،كان محبوبا عند الظالم
وعند غيره ، وتحولت مشاعر البغض لديه إلى محبة واحترام وود وطاعة وتعظيم؛( و قصة يوسف
مع إخوته ومحمد مع قومه خير مثال على ذلك)، كما أن نسيان الإساءة وإقبارها يجعل المسيء
يأمن من العقوبة والانتقام؛ فيقبل على الإحسان ومبادلة البر بالبر ويقطع مع سوء الخلق
المنبثق عن الحقد والحسد، فتشيع بذلك أواصر
التآخي والود والتعاون بين جميع أفراد المجتمع وتختفي الخلافات والأحقاد والضغائن،
فيكون العفو والتسامح سبيلا للقضاء النهائي على سرطان الكراهية و التمزق والعداوة والتناحر
المهدد لأمن المجتمعات وسلامتها واستقرارها،والقاتل للسلم الاجتماعي والتعاون بين مكونات
المجتمع الإنساني، فيتجه العنصر البشري نحو تحقيق النهضة وبناء الحضارة وعمارة الأرض
بالخير والصلاح كما أراد له ربه عز وجل.
وبالتسامح والعفو تتكاثف الجهود وتنسى الخلافات
والاختلافات بين أفراد البشرية - ما دام بعضهم يقبل بالآخر ويحترم قناعاته من غير إساءة
ولا حقد- فتتوحد الجهود وترص الصفوف وتتماسك وترتفع المشاحنات والخلافات المؤدية إلى
التنازع وتشتيت الشمل وتمزيق الوحدة وتفتيت القوى، ويحل الوفاق و التعاون والانسجام وتصان الحقوق وتقضى الأغراض والمصالح الخاصة والعامة
ويزول الظلم والأنانية وتختفي المعاملات السيئة المنحرفة، فيعيش العالم بأسره نعمة
الوحدة والتضامن والهدوء والاستقرار وتعمه مشاعر الأخوة والرحمة.
ولتحقيق هذه الغايات والمقاصد السامية دعا الإسلام
وحث على خلق التسامح والعفو ورفع من شأنهما وأمر بهما كما في قوله تعالى:" فاعفوا
واصفحوا حتى يأتي الله بأمره"البقرة 109، وقال تعالى: " وَلَا
تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" وقوله عز وجل:" وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون
أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم" النور 22 ـ وقال تعالى:" خذ العفو وامر
بالعرف وأعرض عن الجاهلين" الأعراف 199.
جـــــــــــــــــواب آخــــــــــــــــر
أ- العلاقة بين العفو والتسامح:
العفو والتسامح خلقان
رفيعان، ويدخلان ضمن مراتب الإحسان، وينبنيان على نسيان ما مضى، والتنازل عما
للنفس من حق عند الآخرين، لا عن ضعف أو هوان أو خوف، بل رغبة خالصة فيما عند الله،
وإيثارا للآخرة الدائمة على الدنيا الزائلة. إذن فالعلاقة بين العفو والتسامح علاقة
وطيدة، فكل منهما مكمل للآخر، وهما خلقان كريمان لهما نفس النتائج والآثار.
ب - العفو والتسامح
أساس نشر المحبة وتماسك المجتمع:
إن العفو والتسامح
يحثان على تآلف الأجناس، وإشاعة التراحم والمودة بين الناس، والتأدب بالآداب
الإسلامية، ونبذ الحقد والحسد والتباغض، ليتحقق العدل والإنصاف وإعطاء الحقوق
لأصحابها والمساواة بين بني البشر، لأن مجتمع المؤمنين
لا تقوم المعاملة بين أفراده على المؤاخذة والمحاسبة والانتصار للذات،
والانتصاف لها في كل صغيرة وكبيرة، وإنما تقوم على المسامحة والصفح والصبر، مما
دعت إليه نصوص الشرع، وحث عليه رب العالمين: ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة
ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴾ فصلت، 33.
كما أن الأخلاق
الإسلامية المتمثلة
في العفو
والتسامح تجاه
البشرية كلها
شكلت أساس
المجتمع الفاضل
الذي ينشده
الإسلام، مجتمع حب
وود، ومروءة
وخير، مجتمع
متماسك البنيان،
متوحد الصفوف
والأهداف، كما
وصفه رسول
الله في الحديث
الذي رواه النعمان
بن بشير رضي الله عنه أنه
قال: « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ
فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى « أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
5 ـ التشبع بالقيم
كيف أكتسب خلق العفو والتسامح؟
- أحب لنفسي ما أحب للآخرين ، وأعفو عن المسيء
كما أحب أن يعفو عني الناس إذا أخطأت،
- الرفق بالمسيء ، وإيجاد العذر له قبل أن أتسرع
برد الإساءة فأندم.
- الإقتداء بخلق الأنبياء والمرسلين عليهم السلام
، فأتسامح مع الناس في معاملاتي .
