مدخل التزكية الشطر الثالث من سورة يوسف ــ المستوى: أولى بـــاك

ESSALHI
By -
0

 



مدخل التزكية  الشطر الثالث من سورة يوسف

الآيات : من  35 إلى 53

يوسف عليه السلام بين بلاء السجن ومنحته: نقمة ظلم السجن وطول السنين ونعمة التوحيد وتفسير الرؤى

قال الله سبحانه وتعالى:   

     ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا واذكر بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53).

1 ـ شرح المفردات:

{ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ} ظهر للعزيز وأهله ومن استشارهم بعد الدلائل القاطعة على براءة يوسف، سجنه إلى مدة من الزمن غير معلومة {وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ} أي أُدخل يوسف السجن واتفق أنه أُدخل حينئذٍ آخران من خدم الملك الخاص أحدهما خبازه، والآخر ساقيه{قَالَ أَحَدُهُمَآ إني أراني أَعْصِرُ خَمْراً} أي قال الساقي إني رأيت في المنام أني أعصر عنباً يئول إلى خمر {وَقَالَ الآخر إِنِّي أراني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطير مِنْهُ} أي وقال الخباز: إني رأيت في منامي أني أحمل على رأسي طبقاً فيه خبز، والطيرُ تأكل من ذلك الخبز {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} أي أخبرنا بتفسير ما رأينا إنا نراك من الذين يحسنون التعامل مع السجناء{قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا} أي لا يأتيكما شيء من الطعام إلا أخبرتكما ببيان حقيقته وماهيته وكيفيته قبل أن يصل إليكما {ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِي ربي} إن ذلك الإِخبار بالمغيبات ليس بكهانة ولا تنجيم، وإنما هو بإِلهامٍ ووحيٍ من الله {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله} أي تركت دين قومٍ مشركين لا يؤمنون بالله {وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ} أي يكذبون بيوم القيامة {واتبعت مِلَّةَ آبآئي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} أي اتبعت دين الأنبياء، لا دين أهل الشرك والضلال {مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيْءٍ} أي ما ينبغي لنا معاشر الأنبياء أن نشرك بالله شيئاً مع اصطفائه لنا وإنعامه علينا {ذلك مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس} أي ذلك الإيمان والتوحيد من فضل الله علينا حيث أكرمنا بالرسالة، وعلى الناس حيث بعث الرسل لهدايتهم وإرشادهم {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ} أي لا يشكرون فضل الله عليهم فيشركون به غيره.{ياصاحبي السجنءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار} أي يا صاحبيَّ في السجن أآلهة متعددة لا تنفع ولا تضر ولا تستجيب لمن دعاها كالأصنام، خيرٌ أم عبادة الواحد الأحد، المتفرد بالعظمة والجلال؟! {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ} أي ما تعبدون يا معشر القوم من دون الله إلا أسماءً فارغة سميتموها آلهة وهي لا تملك القدرة والسلطان لأنها جمادات {مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي ما أنزل الله لكم في عبادتها من حجة أو برهان {إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ} أي ما الحكم في أمر العبادة والدين إلا لله رب العالمين {أَمَرَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ} أي أمر سبحانه بإفراد العبادة له، لأنه لا يستحقها إلا من له العظمة والجلال {ذلك الدين القيم} أي ذلك الذي أدعوكم إليه من إخلاص العبادة لله هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} أي يجهلون عظمة الله فيعبدون ما لا يضر ولا ينفع {ياصاحبي السجن أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخر فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ} أي يا صاحبيَّ في السجن أمّا الذي رأى أنه يعصر خمراً فيخرج من السجن ويعود إلى ما كان عليه من سقي سيده الخمر، وأمّا الآخر الذي رأى على رأسه يحمل خبزا فيُقتل ويُعلَّق على خشبة فتأكل الطير من لحم رأسه{قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} أي انتهى وتمَّ قاء الله صدقتما أو كذبتما فهو واقع لا محالة {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا} أي قال يوسف للذي اعتقد نجاته وهو الساقي {اذكرني عِندَ رَبِّكَ} أي اذكرني عند سيّدك وأخبره عن أمري لعلّه يخلصني ممّا ظُلمتُ به {فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ} أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر أمر يوسف للملك- أنظر ص:70 من الكتاب المدرسي- {فَلَبِثَ فِي السجن بِضْعَ سِنِينَ} أي مكث يوسف في السجن سبع سنين. {وَقَالَ الملك إني أرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} أي قال ملك مصر إني رأيت في منامي سبع بقرات كثيرة الشحم يبتلعهن سبع بقراتٍ هزيلة ضعاف {وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} هذا من تتمة الرؤيا أي ورأيتُ أيضاً سبع سنبلاتٍ خضر قد انعقد حبُّها وسبعاً آُخر يابسات قد استحصدت، فالتوتْ اليابسات على الخضر فأكلنهنَّ {ياأيها الملأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} أي يا أيها الأشراف من رجالي وأصحابي أخبروني عن تفسير هذه الرؤيا {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} أي إن كنتم تجيدون تعبيرها وتعرفون مغزاها {قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي أخلاط رؤيا كاذبة لا حقيقة لها {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بِعَالِمِينَ} أي ولسنا نعرف تأويل مثل هذه الأحلام الكاذبة {وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا واذكر بَعْدَ أُمَّةٍ} أي وقال نجا من السجن وهو الساقي وتذكّر ما سبق له مع يوسف بعد مدة طويلة {أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} أي أنا أخبركم عن تفسير هذه الرؤيا ممن عنده علم بتأويل المنامات {فَأَرْسِلُونِ} أي فأرسلوني إليه لآتيكم بتأويلها {يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق}يا يوسف يا أيها الصِّديق وسمّاه صديقاً لأنه  والصدّيق مبالغةٌ من الصدق {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} أي أخبرنا عن تأويل هذه الرؤيا العجيبة {لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} أي لأرجع إلى الملك وأصحابه وأخبرهم بها ليعلموا فضلك وعلمك ويخلصوك من محنتك {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً} أي تزرعون سبع سنين دائبين بجدٍ وعزيمة {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} أي فما حصدتم من الزرع فاتركوه في سنبله لئلا يسوّس {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} أي إلا ما أردتم أكله فادرسوه واتركوا الباقي في سنبله {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ} أي ثمَّ يأتي بعد سنيّ الرخاء سبع سنين مجدبات ذات شدة وقحط على الناس {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} أي تأكلون فيها مما ادخرتم أيام الرخاء {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} أي إلا القليل الذي تدخرونه وتخبئونه للزراعة {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} أي ثم يأتي بعد سنيّ القحط والجدب العصيبة عام رخاء، فيه يُمطر الناس ويُغاثون، وفيه يعصرون الأعناب وغيرها لكثرة خصبه {وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ} أي ولما رجع الساقي إلى الملك وعرض عليه ما عبَّر به يوسف رؤياه استحسن ذلك فقال: أحضروه لي لأسمع منه تفسيرها بنفسي ولأبصره {فَلَمَّا جَآءَهُ الرسول} أي فلما جاء رسول الملك يوسف {قَالَ ارجع إلى رَبِّكَ} أي قال يوسف للرسول: ارجع إلى سيدك الملك {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة اللاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي سلْه عن قصة النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن هل يعلم أمرهنَّ؟ وهل يدري لماذا حُبست ودخلت السجن؟ وأني ظُلمت بسببهنَّ؟ "أبى عليه السلام أن يخرج من السجن حتى تُبرأ ساحته من تلك التهمة الشنيعة، وأن يعلم الناس جميعاً أنه حُبس بلا جرم" {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} أي إنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور وبما دبّرن من كيدٍ لي {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} جمع الملك النسوة قال لهن: ما شأنكن الخطير حين دعوتن يوسف غلى مقارفة الفاحشة؟ {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سواء} أي معاذ الله أن يكون يوسف أراد السوء، وهو تنزيهٌ له وتعجب من نزاهته وعفته {قَالَتِ امرأت العزيز الآن حَصْحَصَ الحق} أي ظهر وانكشف الحق وبان بعد خفائه {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين} أي أنا التي أغريتُه ودعوتُه إلى نفسي وهو بريءٌ من الخيانة وصادقٌ {ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب} الأظهر أن هذا من كلام يوسف قاله لمّا وصله براءة النسوة له والمعنى ذلك الأمر الذي فعلتُه من ردّ الرسول حتى تظهر براءتي ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته في غيبته بل تعففت عنها ـ وهناك من قال بأن هذا كلام زليخةـ {وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين} أي لا يوفق الخائن ولا يسدّد خطاه {وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء} أي لا أزكي نفسي ولا أنزّهها، فإن النفس البشرية ميَّالة إلى الشهوات {إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي} أي إلا من رَحِمَهُ اللَّهُ بالعصمة {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي عظيم المغفرة واسع الرحمة.

2 ـ المضمون العام

   إخبار الآيات عن دخول يوسف عليه السلام السجن نزولا عند رغبة زوجة العزيز التي تريد إظهار براءتها للناس ، فيعيش يوسف محنة القيد في ثناياه منحة ممارسته لحرية العقيدة الداعية للتوحيد ،وكيف أعجب سجينان بعبادته وإخلاصه، وتفسيره لهما الرؤيا المنامية بحق وصدق، ولما أراد الله الفرج عن يوسف وإخراجه من السجن، رأى ملك مصر رؤيا عجيبة أفزعته، فجمع السحرةَ والكهنة والمنجمين وأخبرهم بما رأى في منامه، وسألهم عن تأويلها فأعجزهم الله جميعاً ليكون ذلك سبباً في خلاص يوسف من محنة السجن.

3 ـ المضامين الأساسية

·        من الآية : 35 إلى الآية :42 : دخول يوسف السجن مع فتيين، وتفسيره لرؤياهما، بعد دعوتهما إلى توحيد الله تعالى وعبادته، وترك عبادة الأصنام والأوثان.

·        من الآية : 43 إلى الآية :49 : تفسير يوسف لرؤيا الملك بعد عجز كهنة الملك عن تفسير رؤياه، ليكون ذلك سببا في خلاصه من محنة السجن.

·        من الآية : 50 إلى الآية:53 : إعلان براءة يوسف عليه الصلاة والسلام من التهمة التي سجن بها، بعد اعتراف امرأة العزيز والنسوة ببراءة وعفته عليه السلام.

4 ـ المضامين الفرعية

ـ تفضيل يوسف عليه السلام السجن على المعصية دليل على محنة أخرى سيواجهها.

ـ إعجاب الفتيان اللذان أدخلا مع يوسف السجن بإحسانه وعبادته جعلهما  يرغبان في فهم تفسير رؤياهما.

ـ إظهار معجزة يوسف الدالة على صدق نبوته والمتمثلة في إخبار الفتيان عن طعامهما.

ـتقديم يوسف الدعوة إلى عبادة الله تعالى ونبذ عبادة الأصنام عن تفسير رؤيا السجينين.

ـ تفسير يوسف لرؤيا السجينين أن أحدهما سيسقي سيده خمرا والآخر سيصلب وتأكل الطير من لحم رأسه.

ـ وصية يوسف للساقي الناجي أن يذكره عند ربه تدخل في إطار النسيان ليمكث يوسف في السجن بضع سنين.

ـ تفسير يوسف لرؤيا الملك الدالة على وجوب ادخار تخزين القمح لسنوات القحط التي ستعرفها البلاد.

ـ أمر الملك بتحرير يوسف من السجن صحب تريث يوسف إلى حين طهور براءته من كيد النسوة.

ـ منة الله تعالى على يوسف ببراءته من كيد النساء وظهور الحق أمام الملك.  

5 ـ من الهدايات القرآنية / والعبر / والأحكام / والقيم المستفادة من المقطع القرآني.

- الدروس والعبر صفحة: 69/70 من الكتاب المدرسي

- الاستقامة والصلاح المقرونين باليقين والصبر على الأذى والمحن من المعينات على حصول الفرج وضمان السعادة في الدنيا والآخرة.

- السجن ليس دائما وكرا للمجرمين؛ بل قد يدخله المؤمنون المتقون الصالحون. وقد تكون فترته فرصة لترتيب أوراق الدعوة وتكوين قاعدة معينة على نصرة الحق والدفاع عنه كما فعل يوسف عليه السلام.

- حسن الخلق وطيب المعاشرة من أسباب اكتساب حب الناس ونيل ثقتهم واحترامهم ورفعة القدر والمكانة عندهم.

- يجب على المسلم أن يحسن معاملة الآخرين وأن يظهر محاسن الإسلام أمام الكفار والمنحرفين بالفعل والقول.

 - من تمام إيمان المؤمن تبرؤه من حوله وقوته بنسبة النعم لله عز وجل والاعتراف بفضله عليه وشكره على ما وهبه من منح و آلاء وفضل.

- الحرص على الدعوة والتدرج فيها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحب الخير للغير في مختلف الظروف والأحوال من شيم المتقين الموقنين بنصر الله وتأييده والممتثلين لأحكام شرعه.

- يجب على المسلم استثمار كل المواقف والفرص التي تتاح له من أجل تعميم الخير ومحاربة الظلم والمنكرات وإرشاد الناس للخير والصلاح وسبل الفلاح والسعادة.

- يجب على المسلم انتقاء الظروف والمواطن والرفقة التي تعينه على طاعة ربه. وترك كل من قد يقوده إلى المنكرات والمخالفات ويسقطه في الإجرام ويبعده عن الطريق المستقيم الموصل إلى لنجاح في الدنيا والآخرة.

- صلاح الآباء واستقامتهم خير معين على صلاح الأبناء.

- الدعوة إلى الله تكون بالبينة والحجة والبرهان والدليل العقلي والمنطقي، وأيضا بتنويع الأساليب والطرق المعينة على الهداية.

-تعلق القلب بالله وحسن الظن به و التوكل الدائم عليه مما تنفرج به الكرب وتقضى به الحوائج؛ لذا وجب التوكل على الله تعالى في كل أمر والاستعانة به في كل حال واللجوء إليه على الدوام وطلب النصرة والتوفيق منه.

- اليقين التام بنصر الله وتوفيقه أكبر حافز ومعين على النجاح وأعظم ضامن للسعادة وخير مقو للصبر.

- لا مجال للصدفة في الكون؛ بل كل شيء خاضع لأمر الله وتدبيره وحكمه.

- الله تعالى يبتلي عباده ليكرمهم ويرفع من مكانتهم وقدرهم، و نهاية الصبر إلى فوز وفلاح وتوفيق وسداد.

- العلم رفعة وتمكين وشرف للعبد وعون له على ضمان السعادة الدنيوية والأخروية.

- يجب على المسلم تسخير علومه ومعارفه وخبراته وكل ما متعه الله به من قدرات مادية ومعنوية لبناء الحضارة الإنسانية والسمو بها والإسهام في تقدمها وازدهارها،وخدمة البشرية وقضاياها العادلة، وضمان سعادتها الدنيوية والأخروية من غير تمييز بين أفرادها وشعوبها.

-من الواجب على المسلم الدفاع عن عرضه وشرفه ولا يتهاون في ذلك ولا يجبن، كما يلزمه أن يحرص على نظافة هذا العرض ويبرئ نفسه واقعا من كل ما يدنسه ويحط من عدالته وكرامته.

- من خصال المروءة الاعتراف بالذنب والتوبة منه وتبرئة البريء وإنصاف المظلوم والاعتراف بخصال المحسن.

- النفس من ألد أعداء الإنسان وخصومه؛ واللبيب من احتاط من حيلها وراقبها وحاسبها وخالف وساوسها.

  •  - من القيم المستخلصة: العلم، الإحسان، الشكر، الإيمان بالغيب، الحرية، التوحيد، العصمة، الدعوة إلى الله والتدرج فيها، الاستقامة، اليقين، التوكل، الاستفتاء وطلب العلم- العمل بالأسباب، التخطيط، التدبيرالحسن، التعاون، النصيحة، التواضع، التسامح، البراءة، العفة، الاعتراف بالخطأ، التوبة، الصدق، الأمانة، الاعتراف بالتقصير...

إرسال تعليق

0 تعليقات

إرسال تعليق (0)
3/related/default