مدخل التزكية : العقيدة الإيمان والعلم
نصوص
الانطلاق
قال تعالى : " وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي
مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا
لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ
غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ (22)" يوسف 21/22
قال الله سبحانه :"
قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ
قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا
وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (107)
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (108) " سورة الإسراء الآيات (107-108)
وقال عز وجل "وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ
اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) يوسف 54/55
شرح المفردات
ـ قل آمنوا به أو لا تؤمنوا: أي قل يا
رسولنا للمنكرين للوحي القرآني من قومك، آمنوا به أو لا تؤمنوا.
ـ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ: أي الذين أوتوا العلم من قبله من علماء أهل الكتابين اليهود
والنصارى قد آمنوا به.
ـ يخرون : مفرده خر بمعنى سقط أو
هوى من أعلى.
ـ للأذقان : جمع ذقن وهو أسفل الوجه.
ـ لمفعولا: واقعا ومحققا.
مضامين النصوص
ـ
تمكين الله يوسف عليه السلام في أرض مصر
والإنعام عليه بالعلم الذي رفعه إلى مقام الحكمة والإحسان.
ـ
بيان الله تعالى أن العلم سبب هداية الإنسان إلى الله،فيتوجه إليه بالعبادة،
ويزداد يقينا به، وخشوعا له.
ـ
بيان الله تعالى أن بالعلم حصلت الرفعة والتمكين ليوسف عليه السلام.
تحليل المحاور
1 ـ مفهوم الإيمان والعلم
أ- مفهوم الإيمان: هو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، بما أخبر
به الرسول عن الله
تعالى.
ب- مفهوم العلم: لغة إدراك الشيء
على حقيقته واصطلاحا:مجموع المعارف المكتسبة بالدراسة ،والتي يصل بها الباحث إلى
مستوى الإحاطة بالأصول والفروع في حقل من حقول المعرفة:كالرياضيات والهندسة...
ج ـ مفهوم العلم شرعا: هو ما انزله الله تعالى على نبيه من وحي مطلق منزه
عن كل باطل فلا يعلو عليه علم، قال تعالى:" لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ
إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ
شَهِيدًا".
2 ـ دعوة الإسلام إلى العلم
دعا الإسلام
إلى العلم وحث على طلبه ، لأنه هو السراج المنير الذي ينير العقل و يكرم الإنسان، ويكفينا
للدلالة على مكانة العلم في الإسلام أن أول آية نزلت على النبي الكريم كانت تدعوا
إلى العلم﴿ اقرأ ﴾. وقد رفع
الله تعالى من شأن العلماء فقال في كتابه العزيز :" يَرْفَعِ الله ُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
دَرَجَاتٍ "المجادلة الآية:11 ،كما
نفى الله تعالى المساواة بين العالم و الجاهل .فقال : " قُلْ هَلْ
يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ
أُولُو الْأَلْبَابِ". سورة الزمر :9
والإسلام يدعو إلى كل العلوم التي من شأنها تنمية
الإيمان وبناء المجتمع القوي وصيانة الكرامة وتسخير الكون وفق مقاصد الشرع.
3 ـ العلم يرسخ الإيمان ويقويه
العلم
يهدي إلى الإيمان ويقوي دعائمه فالإيمان يدعو إلى العلم ويرغب فيه،وهذه العلاقة التكاملية
لا نجدها في غير الإسلام ، ومن تجلياتها:
أ- العلم مفتاح قلوب الخاشعين: فالقلوب
المؤمنة كلما تدبرت آيات الله وما جاء فيها من علم عظمت ربها قال تعالى:" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) " الأنفال:2
ب- العلم سبب لخشية الموقنين: وقد أشار
الله سبحانه إلى أن العلماء أكثر خشية فقال تعالى :" إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ
عَزِيزٌ غَفُورٌ "فاطر:28
ج- العلم يرسخ اليقين: العلم يرسخ
اليقين بالغيب الذي أخبر الله تعالى به ، وبه يتذوق المسلم حلاوة الإيمان ، ويلحق بركب
الأنبياء والصديقين ، ويعبد الله تعالى على يقين وبصيرة ، عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قال : قال رَسُولُ اللَّهِ
:"وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ
لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ
سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" صحيح مسلم ، كتاب التوبة
4 ـ لا تعارض بين العلم الصحيح والإيمان الحق
إن
العلم الصحيح والإيمان الحق في الإسلام أمران متلازمان، لأن حقائق العلم استقراء
لحقائق الكون التي أوجدها الله تعالى ، وحقائق الدين نقل صحيح عن الحق تعالى
أبلغنا بها رسوله الكريم
كما أن الإيمان الحق القائم على الاعتقاد
الصحيح الذي لا يخالطه شك إنما يطلب بالعلم الصحيح كذلك، لابمجرد التقليد ، ومن
ثمراته قوله تعالى : " إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا"
كما أن الغرض من بعثة الرسول هو توطين
الإيمان الحق في نفوس الناس وتربيتهم تربية إيمانية وهذا لا يتأتى إلا بتعليمه
لأتباعه ولعموم أمته العلم الصحيح حتى يعبد الله
تعالى عن علم قال تعالى:" هُوَ
الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ
آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ
كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ"
كما
أن الاكتشافات الكونية المعجزة التي أثبتتها العلوم الدقيقة ووردت بخصوص بعضها
إشارات قرآنية أو نبوية كانت سببا في هداية عدد من العلماء والدارسين وإيمانهم
بالله تعالى، ليتحقق بذلك التناغم بين العلم الصحيح والإيمان الحق، وليكونا شريكان
متفاهمان وأخوان متعاونان لا انفصال بينهما البتة . وبناء على ما ذكر يجب علينا
استصحاب العلم الصحيح في حياتنا الدينية والدنيوية ليحصل لنا الإيمان واليقين
الصادق بالله تعالى.
5 ـ لا إيمان بغير عمل ولا عمل بغير علم
إن حقيقة الإيمان لا تكتمل بمجرد الاعتقاد
القلبي حتى يصدقه العمل قال تعالى :" وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا
الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ
وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)، إلا أن هذا العمل لا يستقيم إلا
إذا بني عن علم، لأن الله تعالى يعبد بالعلم لا بالجهل قال تعالى:" فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا
إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ" .
6 ـ نماذج من توجيه العلم للعمل
الواجب
على كل مسلم أن يعمل على ترسيخ عقيدته بالعلم ، وتلاوة القرآن الكريم والاقتداء برسول
الله ، ويتجنب كل علم لا ينفع ، ويمثل الصحابة رضوان الله عليهم
المثل الحسن في حرصهم على التعلم كما في حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ إِنِّي
أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبْ الْمَاءَ فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ
وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ
فَقَالَ النَّبِيُّ
إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا فَضَرَبَ النَّبِيُّ
بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ" صحيح
البخاري
7 ـ التشبع بالقيم
ـ أطلب العلم الشرعي
لأرسخ معتقدي وأرتقي مقام اليقين
ـ أنفتح على العلوم الحقة
التي تمكن لي في الحياة الدنيا. وأهتدي بها إلى آيات الله الظاهرة في الخلق
ـ أطلب العلم الحق لأرتقي
بمعارفي وأحسن خلقي
