مدخل الاقتداء الرسول مفاوضا ومستشيرا
نصوص الانطلاق
ـ قال
تعالى: " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ
اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ
عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا
عَزِيزًا (3)" الفتح 1/2/3
ـ وقال أيضا:" فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ
لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ
عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ
عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " آل عمران 159
ـ قال تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا
الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
" الشورى35
ـ وقال تعالى: " وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ
بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ
أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) يوسف 59
شرح المفردات
·
فتحا مبينا:
قيل صلح الحديبية،وقيل فتح مكة.
·
لنت
لهم: رفقت وتلطفت معهم.
·
فظا
غليظ القلب: خشنا في المعاملة، قاسي القلب.
·
لانفضوا
من حولك :
لتفرقوا وفروا من حولك.
·
وشاورهم
في الأمر :
اطلب رأيهم في الأمور المهمة.
·
فإذا
عزمت فتوكل على الله: إذا رأيت
الصواب فاعمل على تنفيذه معتمدا على ربك.
·
وأمرهم
شورى بينهم: لا يقررون أمرا مهما إلا
بعد التشاور.
·
جهزهم
بجهازهم: قضى لهم حاجتهم ووفاهم كيلهم.
·
خير
المنزلين: خير المضيفين وكان قد أحسن ضيافتهم.
مضامين
النصوص
ـ
بيان الآية دور التفاوض في تحقيق الفتح والتمكين والنصر .(صلح الحديبية).
ـ مدح الله تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام بحسن الخلق والبعد
عن الفظاظة، وأمره بالعفو عن المؤمنين ومشاورتهم والإنصات لآرائهم ثم التوكل على ربه سبحانه.
ـ تبيان الآية الكريمة لصفات أهل الخير: طاعة الله وإقامة
الصلاة والتشاور فيما بينهم والإنفاق في سبيل الله.
ـ تفاوض سيدنا يوسف مع إخوته ، وإقناعهم لِيَأْتُوه
بأخيهم له.
تحليل
المحاور
1 ـ منهج
تفاوض الرسول في فض النزاعات
أ ـ مفهوم التفاوض: لغة: مصدر
تفاوض يتفاوض تفاوضا، من أجل التوصل إلى تفاهم أو حل/ مبادلة الرأي في الأمر بغية الوصول
إلى تسوية واتفاق.
واصطلاحا:
هو موقف تعبيري بين طرفين أو أكثر حول قضية ما من خلال تبادل
وجهات النظر لتحقيق مصلحة أو هدف معين. أو: : أسلوب من أساليب حل
النزاعات وتسوية الصراعات بين طرفين مختلفين حول قضايا معقدة تتداخل فيها المصالح المادية
بالسيادة والنفوذ مع قضايا الهوية والكرامة والعقيدة والقناعات.
ب ـ الرسول مفاوضا، صلح الحديبية نموذجا: يظهر منهج تفاوض الرسول الله
من خلال قدرته على التخطيط ، واستيعابه للسياق
التاريخي العام والموقع الجغرافي ، وطبيعة تحركه
ومن خلال هدوئه أمام شروط سهيل بن عمرو .
·
السياق التاريخي
:راعى الظروف
التي يمر بها المسلمون حيث كانوا في موقف دفاع عن النفس لذلك كانت السنة السادسة نهاية
لسلسلة من المواجهات المسلحة بين المسلمين ومشركي قريش.
·
الموقع الجغرافي
: شكلت مكة المكرمة بيت الله الحرام وأم القرى التي تتطلع إليها الأفئدة من كل مكان
، وكان لقريش فيها شرف الوفادة والرفادة والسقاية ، وخدمة الحجيج فلم يكن لها أن ترد
حاجا أو معتمرا أقبل على مكة محرما.
·
طبيعة تحركه :
كانت طبيعة تحرك رسول الله
إلى مكة تعبدية
، لما كانوا عليه وأصحابه من إحرام وسقي للهدي وهذا ما اختلط على قريش ووضعها في موقف
حرج ، لجأت بعده إلى حمية الجاهلية ضدا على كل الأعراف الدولية أنذاك والتي ظهرت في
مناوشات لخالد بن الوليد لزوار بيت الله ، وكان حينها مشركا حيث أسر مبعوث النبي
عثمان بن
عفان وانتهاء بتعنت سهيل بن عمرو في فرض بنود
تهدف تفكيك المسلمين.
ج ـ مميزات أسلوب تفاوض
رسول الله : تميز أسلوب تفاوضه
بمميزات
منها:
·
تقوية موقف الرسول مفاوضا :وذلك ببيعة الرضوان التي
بايع المسلمون فيها رسول الله
على التباث.
·
إرباك الخصوم :باستمالة
بعض سادة قريش لصفه ، كسيد الأحابيش "الحليس بن علقمة " لما رأى هديه فتأكد أنه قدم للعبادة ، فرجع وهدد قريشا
إن منعت عبادة الرسول
.
·
فرض الاحترام لقواعد التفاوض
:وذلك
باشتراط إطلاق عثمان رضي الله عنه ، مبعوث الرسول لقريش
ثمنا للسلم .
·
كفاءة الانسحاب التفاوضي
:
بقبوله عدم كتابة البسملة وشرط محو صفة :"رسول الله " ، حفظا لماء وجه قريش.
2
ـ نماذج من مفاوضات الرسول
ـ مفاوضة الرسول المشركين في صلح الحديبية.
ـ مفاوضته يهود بني النضير في شأن خيبر.
ـ مفاوضة بين الر سول واحد أسياد
قريش وهو عُتبة بن ربيعة الذي عرض عليه أمورا مثل: إعطائه المال حتى يصير اغني
الناس، أو جعله سيدا وملكا على أهل قريش، أو معالجته بكل أنواع الطب إن كان به مس
من الجن...، مقابل تركه لدينه، فأجابه النبي
بآيات من بداية سورة "فصلت" تتضمن تهديدا
للمشركين ووعيدا للمعرضين عن دين الله تعالى بالعذاب الأليم، فرجع عتبة إلى قومه
مذعورا مما سمع.
3 ـ مبدأ التفاوض في معاملة رسول الله للآخر وفوائده
v كان
الرسول مفاوضا
بارعا ، فاوض الفرد والجماعة ، فلم يتصلب ، ولم يتعصب ، ولم يتجبر ولم يتعال
على
مخاطبه ومفاوضه ، وكان يتحلى بالآداب الرفيعة في تفاوضه ، يحترم مفاوضه ويتكلم معه
وينصت إليه بأدب بالغ ، وتقدير جم ، وقد أبدى آدابا وقدرة لا نظير لها في تفاوضه
على بنود صلح الحديبية. فاستعمل المرونة في الجزئيات التي ألح عليها سهيل بن عمرو
( عدم كتابة البسملة – محو صفة رسول الله ) ، لكنَّه لم يتنازل عن هدف التفاوض
الإستراتيجي بأداء مناسك العمرة.وهذه
التنازلات منه أثناء التفاوض مع قريش ، تَرَتَّبَت عنها فوائد
لصالح الإسلام والمسلمين : أداء مناسك العمرة بأمن وسلام/ تنازل قريش عن منطق
الحرب وقبولها للسلم مدة عشر سنوات/ التفرغ للدعوة بأمان، ونشر الإسلام في أرجاء
الجزيرة العربية...
ومن فوائد التفاوض كذلك نذكر: - تسوية النزاعات بطرق سلمية - تدبير الاختلاف
بطريقة حضارية - تحقيق مصالح الطرفين المتفاوضين - التخلص من روح التصلب و التعصب و الالتزام الشديد
بالرأي...
4 ـ إعمال مبدأ
الشورى في سيرة الرسول لتدبير شؤون المسلمين
أ
ـ مفهوم التشاور لغة: الإشارة والإيماء بالرأي. واصطلاحا:
إشراك أهل الرأي السديد والعلم المجيد في اتخاذ القرار الرشيد.
وتهدف الاستشارة إلى الوصول لأفضل
نتيجة ممكنة من خلال: التعرف على نقاط القوة والضعف و الإسهام في ترتيب الأمور المادية
وتقويمها.
ب ـ الشورى
مبدأ أصيل في الإسلام:
رغم ما ألزم به الله تعالى الصحابة والمسلمين عموما
من واجب طاعة رسول الله لقوله سبحانه:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ "سورة محمد:34،
إلا أنه في تسييره
للأمر كان يعتمد مبدأ الشورى امتثالا لقوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ
وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ...﴾ آل عمران :159
ج
ـ نماذج من مشاورات الرسول
·
مشاورة الرسول لأصحابه في غزوة بدر: عن أنس رضي الله عنه: "أن رسول الله
شاور
حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه فقام
سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها
البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بَرْك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول
الله
الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا". صحيح
مسلم كتاب الجهاد والسير
·
مشاورته أصحابه رضي الله عنهم ،في خطة الدفاع
لخوض غزوة أحد ، فأشاروا عليه بالخروج لملاقاة الكفار ، وكان يرى أن يتحصن
المسلمون بالمدينة ، فنزل على رأي الأغلبية.
·
مشاورة الرسول أم
سلمة في الحديبية:
عندما
تأخر الصحابة عن التحلل الذي أمرهم به رسول الله
أخذ
النبي برأيها، فنصحته بألا يكلم أحدا حتى ينحر ويحلق، وفعل الرسول
ففعل
الصحابة اقتداء به.
فكانت
سندا له في هذه المحنة، وصار الحدث درسا لكل قائد حكيم مهما كان مستوى قيادته طلبا
للقرار الرشيد.
·
مشاورة الرسول أصحابه حين أتاه عينه قال إن قريشا جمعوا لك
جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك . قال
( أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري
هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله عز و جل قد قطع عينا من
المشركين وإلا تركناهم محروبين ) . قال أبو بكر يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت
لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا
عنه قاتلناه . قال " امضوا على اسم الله" صحيح البخاري
د ـ من فوائد الشورى نذكر
ما يلي:
- إصابة الحق في الغالب
.
- العمل بالشورى قربة
و طاعة لله عزوجل.
- تلاقح الأفكار
و تكامل الثقة و تبادل الخبرة و الإطلاع على ما عند الآخر.
- الشورى تشعر المشاركين بالمسؤولية.
- تولد الثقة بين الحاكم و المحكومين بين الراعي و
الرعية.
- وقاية من الاستبداد
و تزويد الدولة بالكفاءات و القدرات المتميزة.
5 ـ من فوائد الشورى والتفاوض :
تدبير الاختلاف ورص الصف الداخلي
1) تدبير الاختلاف :
الخلاف
بين الراعي والرعية جائز الوقوع ، لكن مع مناقشة الآراء والتشاور تتقارب وِجْهات
النظر .
2) رص الصف الداخلي:
الشورى تُولِّد الثقة بين الحاكم والمحكوم ، فتتوحد
الكلمة وتجتمع، فيكون رأي الخليفة أو الحاكم رأي جميع المسلمين بعد التشاور.
إذن فالتفاوض
والتشاور من الأساليب الناجعة والناجحة في تدبير الاختلافات بشكل إيجابي والتي
تكون بين أفراد الأسرة الواحدة، أو بين أفراد المجتمع، أو بين الراعي والرعية .مما
يمكن من تحقيق الوحدة والتماسك ورص للصف الداخلي الذي دعا إليه الإسلام في قوله
تعالى:" واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا".
6 ـ التشبع بالقيم
- أتحلى بالتواضع ولا أحكم على الناس بمظاهرهم لكي أكتسب
خلق الشورى.
- أتحرر من الأنانية
وأفكر بعقل الآخر لأتفاوض معه ، لأستجيب لحقوقه التي يطمح إليها دون أن يمس حقوقي.
- أقتدي بأخلاق رسول
الله في استشارته لأهل
الرأي الرشيد ، وأتدرب على اكتساب قدرة التفاوض وفق منهجه
.
