مدخل العقيدة الإيمان والفلسفة
نصوص الانطلاق
ـ قال تعالى : " لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ
وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7)" يوسف 9
ـ قال الله تعالى : " «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ
مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا
يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ» [البقرة: 268]
ـ حدثنا آدم حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي السوار
العدوي قال سمعت عمران بن حصين قال: قال: النبي صلى الله عليه وسلم "الحياء
لا يأتي إلا بخير" فقال بشير بن كعب مكتوب في الحكمة إن من الحياء وقارا وإن
من الحياء سكينة فقال له عمران أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن
صحيفتك. صحيح البخاري
شرح المفردات
ـ الحكمة : النبوة وتطلق أيضا على المعرفة .
ـ أولوا الألباب : ذووا العقول الراجحة المتفكرة.
ـ الحياء :شعبة من شعب
الإيمان (وقار وذم للقبائح...)
مضامين النصوص
ـ بيان الآية أهمية النظر في آيات القرآن من خلال التفكر في قصة يوسف وإخوته
.
ـ تحديد الآية الكريمة فضل الحكمة في تحقيق الخير الكثير.
ـ تأكيد النص على أهمية الحياء في
الحياة .
تحليل المحاور
1 ـ مفهوم الإيمان والفلسفة
أ ـ مفهوم الإيمان : " سبق تعريفه "
ب ـ مفهوم الفلسفة : لغة : الفلسفة وفقا لمعناها الاشتقاقي تعني " محبة
الحكمة" أو " السعي إلى المعرفة" واصطلاحا : عرفها ابن رشد بقوله
: " فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات و اعتبارها".
أو : هي نمط من النظر العقلي المحض والتفكير المفهومي القائم على الاستدلالات
المنطقية والبرهانية حول موضوعات وقضايا كلية، تستحق النقد والتفسير والتنظير.
ج ـ حقيقة الفلسفة : تضم الفلسفة
نتاج التأمل و التساؤل و التفكير البشري المتعدد و المتنوع و الغني ، والمتصل بشروط و ظروف إنتاجه. و لاشك أن أنماط التفلسف
قد اختلفت و تباينت من ثقافة إلى أخرى.
2 ـ الفرق بين العقل عند الفلاسفة وفي القرآن الكريم
تربط الفلسفة العقل بالدماغ،
وتفصله عن الحس والقلب والشرع، الشيء الذي جعلها تبالغ في تعظيمه وتقديسه، بينما
يعتبر القرآن القلب مركز التفكر والإيمان والشعور.
3 ـ التفكير الفلسفي يقوي العقل ويطور التفكير
إن جوهر الفلسفة يقوم على
استخدام العقل من خلال الفهم والتحليل وطرح التساؤلات والتأمل في الوجود والذات
والكون، الشيء الذي يؤدي إلى تقوية العقل البشري، وتطوير القدرة على التفكير. وقد
اشتغلت الفلسفة في صورتها التاريخية على صياغة قضايا الإيمان و الدين في مباني وأنساق
فلسفية عقلية صرفة ، وقد توصل كثير من الفلاسفة في كل العصور إلى بعض حقائق
الإيمان من مثل إثبات واجب الوجود ، والبعث و دار الخلود ، وقد انتهت بعض الفلسفات
الإيمانية إلى رسم معالم إيماني نظري صوري.و من خلال هذا يتضح جليا أن التفكير
الفلسفي يهدف بالأساس إلى إعمال العقل للوصول إلى الحقيقة الثابتة .
4 ـ المنهج الفلسفي الموضوعي
وأثره في ترسيخ الإيمان
يستخدم المنهج الفلسفي: المنهج التأملي و العقلي و
التحليلي.
أ ـ تأملي: يعتمد على التفكير الذاتي للفيلسوف.
ب ـ عقلي : يعتمد على العقل في إدراكه.
ج ـ تحليلي : لأنه يحاول الوصول للأسباب الأساسية الأولى للموضوعات.
واستخدام هذا
المنهج يساعد على ترسيخ الإيمان وزيادته، والانتقال بالإنسان من إيمان المقلد إلى
إيمان العالم العارف بالله. وهذا يتوافق مع ما يدعو إليه
الإسلام، قال تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ
اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ
آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ } ـ البقرة:170ـ ، وبه توصل بعض
الفلاسفة إلى الكثير من الحقائق الإيمانية من خلال استخدامهم العقل المجرد، كحقيقة
وجود الله، والبعث ...، الشيء الذي يدل على أن للتفكير الفسلفي المنضبط له دور مهم
في ترسيخ الإيمان. وكلما توسع التفاعل الإيماني ارتقت مدارك العقل ، و تفتحت آفاق
جديدة للفهم ، إلى أن تبلغ بصاحبها مقام الراسخين في العلم.
5 ـ لا تعارض بين الفلسفة الراشدة والإيمان الحق:
أ ـ المقصود بالفلسفة الراشدة :
يقصد بالفلسفة الراشدة تلك
الطريقة من التفكير وإعمال العقل التي تجمع بين المعقول والمنقول، ولا تضرب بعضه
ببعض، بل تستعملهما معا للوصول إلى الحقائق قصد ترسيخ الإيمان وتقويته.
ب ـ العلاقة بين الفلسفة الراشدة والإيمان الحق ( الدين والفلسفة)
إن العلاقة بين الفلسفة الراشدة
والإيمان الحق علاقة توافقية، وبالتالي
فلا تعارض بينهما ، فإذا كانت الفلسفة تدعو إلى إعمال العقل، فإن الإيمان كذلك
يدعو إلى التفكر واستعمال العقل ، لأنه المنحة الإلهية التي فرقت بين الإنسان و الحيوان، وليس للعقل حدود إلا
ما حدده الله، و الأدلة من القرآن كثيرة منها :
قال تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل
لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله و تلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون. ﴾ سورة الحشر
21
وقال
أيضا: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. ﴾
سورة النساء الآية 82
وقال
كذلك : ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب لا يعقلون بها أو آذان لا يسمعون بها
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. ﴾ سورة الحج الآية 44.
وقال
عزوجل :﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ
وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ سورة ص:29
وقال
تعالى : " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ
(190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ
هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) آل عمران 190/191. و غيرها من الآيات .فالعقل يصون الإيمان وليس
خطراً عليه ، حيث نجد أن إبراهيم عليه السلام عندما أعمل عقله وطلب الدليل في خلق
الله إنما كان يتحسس نعمة العقل الذي هداه أصلاً إلى الله عز وجل.
جــــواب آخـــــــــر
إذا كان التفكير الفلسفي يتأسس على
النظر وإعمال العقل للوصول إلى الحقيقة فإن الإيمان الحق لا يتحقق إلا من عملية التفكر
والتعقل فقد اعتبر العقل في الإسلام مناط التفكير.فما وصلت له الفلسفة لا يتعارض مع
الحقائق الإيمانية , وقد أشار ابن رشد في كتابه "تهافت التهافت "على قدرة
الفلسفة بإيصال الإنسان إلى اليقين الحق الذي لا يقبل الجدل حول ماهية الله فلا تناقض
بين الدين والفلسفة كلاهما يبحث عن نفس الحقيقة ولكن بأسلوبين مختلفين . فإذا كانت
غاية النظر والعقل في الفلسفة إثبات أمر بالاستدلال المنطقي فإن غايتهما في القرآن هو إدراك الأسرار لبلوغ الإيمان
الحقيقي وفي قصة إبراهيم ما يؤكد أن التفكر والنظر في ملكوت الخالق طريق
لبلوغ اليقين قال تعالى (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين
)سورة الأنعام الآية 76. وفي دعوة يوسف السجينان إلى مقارنة الأرباب المتفرقة بالرب
الواحد ما يدل على أهمية التفكر في ترسيخ الإيمان وتحصيل العبادة. قال تعالى
:" يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ
اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا
أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا
مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا
إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
(40).

