مدخل الحكمة الكفاءة
والاستحقاق أساس التكليف
نصوص
الانطلاق
قال تعالى : " وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ
وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " يوسف 6
قال الله عز وجل :
"وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ
مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ
بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ
اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ
يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " البقرة 245
وقال أيضا : " وَقَالَ
الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى
خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)" يوسف 54/55
شرح المفردات
اصطفاه : اختاره.
بسطة في العلم والجسم: سعة وفضلا وزيادة في العلم والقوة
أسْتَخْلِصْه : أجعله من خاصتي وخلصائي.
مكين أمين : قريب المنزلة ، مؤتمن على كل شيء .
حفيظ عليم :أمين على ما استودعتني ، عليم بكيفية
التدبير
مضامين النصوص
ـ اختياره
سبحانه يوسف عليه السلام لتحمل أمانة النبوة بعد تمكينه من العلم.
ـ معايير
استحقاق الملك :
-
العلم ليتمكن من معرفة أمور السياسية .
-
قوة البدن ليقدر على مقاومة الأعداء ، ومكابدة الشدائد.
ـ الصفات
التي استحق بها يوسف عليه السلام منصب خازن المال هي : الحفظ (الأمانة) والعلم (الكفاءة).
تحليل المحاور
1 ـ معنى التكليف
وتحمل المسؤولية من المنظور الشرعي
أ ـ تعريف التكليف : لغة طلب ما فيه كلفة، أو الإلزام بما فيه كلفة. اصطلاحا
: هو إلزام المكلف بمقتضى خطاب الشرع باعتبار أن الله تعالى هو الذي شرع الأحكام
وخاطب المكلفين بما يفهمونه على لسان رسوله .
ب
ـ شروط التكليف : عِلْم المكلف بما
كُلِّفَ به/القدرة على فهم خطاب الشرع، ويشمل:
ـ العقل
ـ التمييز ـ بلوغ سن التكليف ـ القدرة
على الإتيان بما كلف به.
ج
ـ تحمل المسؤولية :تحمل الشخص نتيجة التزاماته و قراراته و اختياراته أمام
الله و أمام نفسه و مجتمعه .
و أن المسلم المكلف مسؤول عن كل شيء جعل الشرع له
سلطانا عليه، أو قدرة على التصرف فيه بأي وجه من الوجوه.
2 ـ مفهوم الكفاية والاستحقاق والعلاقة بينهما
أ ـ مفهوم الكفاية (الكفاءة): لغة : الكفء: النظير الجدير بنظيره، والنِّد
المساوي لنِدّ مثله ، ومنه الكفاءة في الزواج.
اصطلاحا :هي مجموع الصفات الدالة ،على مُمَاثَلَةِ قُدْرَةِ مَنْ
كُلِّفَ بِمَهَمَّةٍ أو مَسْؤُولِيَّةٍ ، لِمُسْتَوَى المَهَمَّةِ التي كُلَّفَ
بِهَا،فهو جدير بها لمكافأته لها. ولهذا كانت الكفاءة استعداد بالفطرة والاكتساب لتحمل أعباء مهمة أو مسؤولية
في مجال من مجالات الحياة.
ب ـ أسس الكفاءة ومظاهرها
لا بد للكفاءة من أسس عامة يتم الاعتماد عليها لاستحقاق أمر من الأمور،
وأهم هذه الأسس ما يلي:
-
العلم
والخبرة، ذلك أن الله قد كرم الإنسان بالعقل وحثه على العلم باعتباره أداة للتطور
والتقدم والعبادة.قال تعالى : " قَالَ إِنَّ اللَّهَ
اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ
يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "
- حسن الخلق والاستقامة، لا يكفي العلم والخبرة فقط
لإسناد المسؤولية إلى الكفء، بل لا بد من اتصافه بمكارم الأخلاق ومحاسن الأقوال
والأفعال، قال تعالى واصفا أخلاق رسوله : "ولو كنت فظا غليظ
القلب لانفضوا من حولك". آل عمران، 159.
-
الأمانة
والقوة، ولا يكتمل صرح الكفاءة إلا بهما، ذلك أن التكليف أمانة ومسؤولية ينبغي
الحفاظ عليها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بامتلاك أدوات الحفاظ عليها وعلى رأسها القوة،
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: إن الله ينزع بالسلطان مالا ينزع
بالقرآن". وقال تعالى : " قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ
اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ"
فعلى
أساس التزود بالعلم، والتحلي بمكارم الأخلاق، والتزام الأمانة، والتماس أسباب
القوة اصطفى الله سبحانه أنبياءه الكرام، قال تعالى: "وإنك
لعلى خلق عظيم". القلم،4.
ج ـ مفهوم الاستحقاق : الاستحقاق من الحق، والمقصود طلب الأحق بالأمر والمستحق له والأجدر به من
غيره، فلا يكون مستحقا إذن إلا من توفرت له شروط وأسس الكفاءة، فيكون الكفء هو
المستحق والأجدر دون غيره.
والاستحقاق يرادف كذلك الأهلية وتعني الصلاحية . عند الْأصوليين : هي
صلاحية الإنسان لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات.
د ـ العلاقة بين الكفاءة
والاستحقاق : إن
الكفاءة القائمة على أسس العلم والخبرة والاستقامة والقوة والأمانة وحسن الخلق شرط
ضروري لاستحقاق التكليف بالمهام والمسؤوليات. لذلك فإن الاستحقاق هو ثمرة من ثمرات
الكفاءة. وبالتالي فلا يستحق تقلد المهام
والتكليف بالمسؤوليات ،إلا من توفرت فيه أسس الكفاءة. والرسول أوصى على ضرورة اختيار الأكفاء لتحمل المهام والمسؤوليات ،
وترك من كان فيه ضعف وعجز عن أداء الأمانة . عن أبي ذر رضي الله عنه قال :قلت يا رسول الله ألاَ
تَسْتَعْمِلُنِي ؟ قال : فَضَرَبَ بِيَدِهِ على مَنْكِبِي ، ثم قال : « يا أبا ذر
، إنك ضعيفٌ ، وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خِزْيٌ ونَدَامَة، إلاَّ من أخذها بِحَقِّهاَ ، وأدَّى
الذي عليه فيها « صحيح مسلم ، كتاب الإمارة ، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة.
3 ـ مبادرة الكفء لحفظ
الصالح العام.
إن الكفء الذي
استحق عن جدارة أن تسند إليه مسؤولية ما بناء على ما توفر فيه من شروط العلم والخبرة
والاستقامة والأمانة والقوة، هو الأقدر على المبادرة الإيجابية إلى حفظ وخدمة الصالح
العام، لأن الصفات التي يتحلى بها تؤهله للنجاح
في المسؤولية التي أنيطت به، بما يعود بالنفع والخير على مؤسسات المجتمع ومرافقه وأفراده.
فمن توفرت فيه الكفاءة فليبادر لخدمة الصالح العام وحفظه وخير مثال على ذلك سيدنا
يوسف عليه السلام "
قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ" لأن الكفء الخبير في مجاله هو الذي يستطيع إتقان عمله
إذا نصح فيه وعمل بجد وإخلاص.
4 ـ التشبع بالقيم
ـ أطلب العلم الشرعي لأعرف حقوق الله تعالى
ـ أتحلى بالأخلاق الحسنة والفضيلة
ـ أتجنب أساليب المعترضين على الله في تفضيل عباده،
وأجتهد وأرضى بما قسمه الله لي
ـ الإيمان بقضاء الله وقدره.
