مدخل القسط حق الغير : العفة والحياء
نصوص الانطلاق
ـ قال تعالى :" قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ
رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ
لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) " يوسف 32
ـ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي أنه كان يقول: ((اللهم إني أسألك الهدى
والتقى والعفاف والغنى)) رواه مسلم.
ـ عن زيد بن طلحة بن ركانة رضي الله عنه يرفعه إلى النبي
قال: قال رسول الله
: ((لكل دين خلق ، وخلق الإسلام الحياء)) موطأ مالك كتاب حسن الخلق ، باب ما جاء في
الحياء
شرح المفردات
ـ فاستعصم : طلب العصمة و الحماية
من الوقوع في الفاحشة .
ـ العفاف : من العفة و هي
الكف و الامتناع عن الحرام .
ـ الغنى : الاستغناء بالله عمن سواه .
ـ الحياء : الحشمة و الوقار
.
مضامين النصوص
ـ توضيح الآية الكريمة مدى عفة و حياء يوسف عليه السلام
أمام مراودة زوجة العزيز .
ـ يبين الحديث النبوي اللجوء إلى طلب العفاف و الغنى
أثناء الدعاء.
ـ تحديد النص النبوي لمكانة الحياء
في الدين.
تحليل
المحاور
1 ـ العفة والحياء : المفهوم والتجليات
أ ـ مفهوم العفة : لغة: يقال عف عن الحرام أي كف عنه و ابتعد
ضدها الفاحشة.
اصطلاحا: كف النفس و امتناعها
عن ما حرم الله في كل شيء ( القول-الفعل-المأكل-المشرب-الملبس.....)
فهي حصول حالة للنفس من الضبط و الاستقامة تمنع بها عن غلبة الشهوة. أو : هي الكف عن ما لا يحل من المحارم ، وما لا
يجمل من الخوارم ، وهي حصول حالة من الضبط والاستقامة في النفس تمتنع بها عن غلبة
الشهوة فتترفع عن كل ما لا يحل من المحرمات والفواحش والأطماع الدنية وما لا يحمد
من القول والفعل.
ب ـ حقيقة العفة : هي قدرة على
الامتناع الاختياري عن الرضوخ والاستجابة لداعي الشهوات طلباً لرضا المعبود وكمال
النفس ورفعتها وهي قدرة تتفاوت بحسب الجهد المبذول في التحرر من رق النفس والتعلق
بالله تعالى.
ج ـ سبل اكتساب العفة ، وتنميتها في النفس:
لقد جبل الله النفس البشرية على
حب الشهوات والملذات بأنواعها ، والميل إلى المخالفة والعصيان والطغيان . وفي نفس
الوقت أمد الله الإنسان بالقدرة والإرادة على كبح جماح هذه النفس وزجرها ،
وتقويمها بل وتزكيتها قال تعالى: "وَأَمَّا مَنْ
خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ
هِيَ الْمَأْوَى (41)" النازعات-40/41
. وهذا يتوقف على إرادة الإنسان ورغبته في إصلاح نفسه
وتزكيتها وذلك هو الفلاح والنجاح قال تعالى:" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)". سورة الشمس ا7/8/9/10
ولتنمية العفة
في النفس وزجرها عن أهوائها سبل أهمها:
- اتهام النفس بالمخالفة والتقصير .
- الصبر على إلزامها بالطاعات ودفعها للأعمال الصالحة.
- التزام الورع والتنزه عن الشبهات ...
د ـ أنواع العفة :
- عفة النفس: وتحصل بتزكيتها وتربيتها على الفضائل.
- عفة الجوارح : تسخر في طاعة الله
وفق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
- عفة البطن : تتحقق بالورع عن
أكل الحرام .
ي ـ تجلياتها : القناعة – الكسب
الحلال – صون الكرامة – الحياء – زجر النفس عن الحرام – تجنب التبرج و إظهار المفاتن
– الحث على الزواج و تجنب الزنا – التحلي بالآداب و القيم ...
2 ـ مفهوم الحياء وتجلياته :
أ ـ تعريف الحياء: لغة: الحياء مشتق من الحياة فهو دال على الحشمة
و الوقار ضده الوقاحة.اصطلاحا: انقباض النفس عن القبائح , فهو خلق يبعث
صاحبه على اجتناب القبيح قال رسول الله :" الحياء
لا يأتي إلا بخير".
أو : هو انقباض النفس عن القبائح ، والفزع منها هيبة من الله
تعالى ، واتقاء لمراقبته سبحانه ، وخوفا من مقته وغضبه، وهو شعور متولد من تعظيم
المولى ، ومحبته ومراقبته.
ب ـ تعريف الخجل : هو
انقباض في النفس ينتج عنه إحجام ، وخوف من مواجهة الناس سواء أكان رذيلة أم فضيلة
وهو متولد عن شعور مرضيّ بالنقص والضعف.
ج ـ الفرق بين الحياء والخجل : يختلف الحياء عن الخجل، فالخجل هو انحصار النفس عن الفعل
المطلق ينتج عنه خوف و عجز متولد من النقص و الضعف أمام الخلق ، أما الحياء شجاعة و
عزة نفس و انكسار أمام الخالق.
د ـ أنواع الحياء :
ـ الحياء
الفطري: هو الذي يولد مع الإنسان قال تعالى:((فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ
بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ
الْجَنَّةِ )) الأعراف 22 .وهو
شعبة من شعب الإيمان لأنه ينهى صاحبه عن المعاصي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي قال ((الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من
الإيمان )) صحيح البخاري كتاب الإيمان .
ـ الحياء
الكسبي:
وهو الذي ينمي الحياء الفطري ويقويه ويحافظ عليه وهو الذي يكتسبه المسلم بالنظر
والتأمل في خلق الله تعالى ، وعبادته ، وطاعته واستحضار مراقبته في السر والعلن
والاقتداء بسيد البشر ، ومصاحبة الصالحين ، والأخيار من عباد الله
وهي المرتبة التي وصل إليها سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي كانت تستحيي
منه الملائكة لصدق حيائه
ر ـ حقيقة الحياء ومكانته في الدين :
ـ
حقيقة الحياء: الحياء حالة ناتجة عن امتزاج التعظيم لله تعالى وإجلاله ،
ومحبته ، والخوف منه ، وهو امتزاج يوصل الإنسان إلى مرتبة الإحسان.
ـ مكانة الحياء في الدين: يتبوأ
الحياء مكانة عظيمة في الإسلام إذ عده النبي خلق الإسلام عندما قال : ((لكل دين خلق وخلق
الإسلام الحياء)) موطأ مالك كتاب حسن الخلق باب ما جاء في الحياء. وهو
شعبة من شعب الإيمان ولا يأتي إلا بخير ((الحياء لا يأتي إلا بخير )) وأما
إظهار الحياء في غير موضعه فهو ليس حياء وإنما هو خجل أو عجز وانكسار
ومن صوره المذمومة : الاستحياء في
طلب العلم وتعلمه قال مجاهد : ((لا يتعلم العلم مستحئ ولا متكبر)) .
وقالت عائشة رضي الله عنها ((رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن
يتفقهن في الدين)).
ز ـ تجلياته : الحشمة – الوقار – غض البصر – عدم التبرج- القول الحسن –
الإقبال على الخير- الصدق – عزة النفس ...
3 ـ علاقة العفة بالحياء في القول والفعل:
تعتبر العفة من أمهات الفضائل الأخلاقية ,فهي شاملة للحياء حيث عد هذا الأخير
فرع من فروعها ,فكلما اشتد حياء المرء كلما زادت عفته سواء في القول أو الفعل .فللحياء
دور في ثبات العفة وشدتها قال علي رضي الله عنه “على قدر الحياء تكون العفة
",ذلك أن الحياء هو ترك القبيح ومواظبة على تجنبه بقوة الإرادة ومجاهدة النفس
وتساميها عن مغريات وشهوات
الدنيا وهذا هو المقصد الأسمى من العفة قال علي رضي الله عنه "سبب
العفة الحياء ".فالحياء جالب للخير والعفة تأكيد له قال رسول الله "الحياء
لا يأتي إلا بخير ".
4 ـ العفة والحياء أساس تحصين المجتمع :
لا يقوم مجتمع نقي صالح حتى تحتل فيه القيم
منزلتها الرفيعة في سلوك الفرد والمجتمع ,فكانت
العفة والحياء من مقومات المجتمع الإسلامي الصالح حيث أنهما :
- حصانة للمجتمع من الفاحشة والرذيلة قال تعالى "ولا تقربوا الفواحش
ما ظهر منها وما بطن "
- سياج رادع لكل انحلال أخلاقي وصمام للأمن والأمان إزاء الكوارث الخلقية المنتشرة
اليوم .
- تأمين وسلامة للمجتمع من تفشي الأمراض والآفات .
- حماية للمجتمع من المجون والإباحية .
- تشجيع لأفراد المجتمع على التقوى والكف عن الانقياد وراء شهوات النفس وأهوائها
قال تعالى "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى
"...
5 ـ كيف أكتسب خلق العفة والحياء ؟
التشبع بالقيم :
ـ أقتدي بالسلف الصالح "عفة الرسول عليه السلام في كل شيء –حياء عثمان
رضي الله عنه "
ـ أختار الرفقة الصالحة وأجالس الأخيار"المرء على دين خليله فلينظر
أحدكم من يخالل".
ـ أروض جوارحي على الصق والحياء وحسن الظن والوقار ...
ـ أحاسب النفس وأستحضر رقابة الضمير من خلال استشعار رقابة الله .
ـ أداوم على الطاعات لأرقى إلى مكارم
الأخلاق.
